تاريخ النشر: 2026-08-30 | 21:42
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-08-30 | 21:42
أولاً: من الحسم العسكري إلى هندسة البيئة الأمنية.*
إذا كانت الحرب قد دفعت "إسرائيل" إلى إعادة النظر في كثير من مسلّماتها الأمنية، فإنّ المراجعة الأبرز لم تتعلّق بحجم القوة التي تحتاجها، بقدر ما تعلّقت بالدور الذي يفترض أن تؤدّيه هذه القوة. فالسؤال الذي يبرز في النقاش الاستراتيجي الإسرائيلي لم يعد كيف يمكن حسم الحرب المقبلة، بل كيف يمكن منع تكرارها بالشروط نفسها.
ولا يعني ذلك تراجع مركزية القوة في التفكير الإسرائيلي، بل تراجع الاعتقاد بأنها تستطيع وحدها إنتاج أمن مستدام. فقد أظهرت الحرب أنّ التفوّق العسكري، والردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع، وهي الركائز التي قامت عليها العقيدة الأمنية الإسرائيلية لعقود، لا تكفي إذا بقيت البيئة المحيطة قادرة على إعادة إنتاج التهديدات، سواء عبر فاعلين غير دولتيين، أو دول ضعيفة، أو شبكات إقليمية قادرة على التكيّف مع الضغط العسكري.
وتكشف الأدبيات الاستراتيجية الإسرائيلية أنّ هذا الإدراك دفع إلى مراجعة أعمق لوظيفة القوة العسكرية. فالمشكلة لم تعد تُعرَّف بوصفها عجزاً عن إلحاق الضرر بالخصم، وإنما بوصفها عجزاً عن منع عودته إلى إنتاج التهديد. ومن هنا، لم يعد النقاش يدور حول كيفيّة تعظيم القوة، بقدر ما أصبح يدور حول كيفيّة توظيفها داخل استراتيجية تحول دون إعادة تشكّل البيئة التي سمحت بنشوء التهديدات أصلاً.
ولهذا، يتجه التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي إلى إعادة تعريف دور القوة: من أداة لإنهاء التهديد إلى أداة لتهيئة شروط بيئة أمنية جديدة. فالقيمة الاستراتيجية للإنجاز العسكري لا تُقاس بما يدمّره فقط، بل بقدرته على منع الخصم من العودة إلى مستوى التهديد السابق. وبهذا المعنى، لم يعد الحسم العسكري يُنظر إليه بوصفه نهاية الاستراتيجية، بل بداية مسار يفترض أن يقود إلى بيئة أمنية مختلفة، وهو ما يمكن توصيفه بالانتقال من عقيدة الحسم إلى هندسة البيئة الأمنية.
غير أنّ هذه المقاربة تنقل "إسرائيل" من مجال تتفوّق فيه بوضوح، وهو مجال القوة والتكنولوجيا والاستخبارات وسرعة المبادرة، إلى مجال أقلّ قابلية للسيطرة. فهندسة البيئة الأمنية لا تعتمد على القوة وحدها، بل على سلوك الدول، وقدرة المؤسسات المحلية، واستمرار الضمانات الدولية، واستعداد الشركاء لتحمّل أدوار طويلة الأمد. وهي عناصر لا تستطيع "إسرائيل" التحكّم بها منفردة.
لذلك، لا يبدو التحوّل الجديد حلّاً سهلاً لمعضلة الأمن، بل انتقالاً إلى معضلة أكثر تعقيداً. فالقوة لا تزال الركيزة الأساسية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، لكنّ النقاش لم يعد يدور حول كيفيّة استخدامها فقط، وإنما حول ما ينبغي أن يتشكّل حولها حتى تصبح نتائجها أكثر استدامة، وأقلّ عرضة لإعادة إنتاج التهديدات.
*ثانياً: من يصنع النظام الإقليمي الجديد؟*
إذا كانت المراجعات الإسرائيلية قد انتهت إلى أنّ الأمن المستدام لا يتحقّق بإضعاف الخصوم وحده، وإنما بإعادة تشكيل البيئة التي ينتجون فيها مصادر قوتهم، فإنّ ذلك يفتح إشكالية أكثر تعقيداً من الحرب نفسها: من يملك القدرة على بناء هذه البيئة الجديدة؟ فإعادة تعريف وظيفة القوة العسكرية لا تكتمل ما لم تقترن بإعادة تعريف النظام الإقليمي الذي يفترض أن تعمل داخله هذه القوة.
وتكشف الأدبيات الاستراتيجية الإسرائيلية أنّ هذا السؤال أصبح يحتلّ موقعاً متقدّماً في التفكير بعد الحرب. فالمعضلة لم تعد تتعلّق بإدارة جولات القتال، وإنما بترجمة الإنجاز العسكري إلى ترتيبات سياسية وأمنية تمنع إعادة إنتاج التهديدات. فالحرب، وفق هذا التصوّر، لا تنتهي عند توقّف العمليات العسكرية، بل عندما تُنتج بيئة إقليمية يصبح فيها استئناف المواجهة أكثر صعوبة وأعلى كلفة.
غير أنّ هذه الرؤية تصطدم بحدود القدرة الإسرائيلية. فـ"إسرائيل" تستطيع تغيير موازين القوى، لكنها لا تستطيع منفردة إعادة تشكيل النظام الإقليمي. مثل هذا التحوّل يتطلّب أكثر من التفوّق العسكري؛ إذ يحتاج إلى ضمانات سياسية، وتفاهمات أمنية، وشرعيّة دوليّة، وتوازنات مصالح لا تستطيع أيّ قوة إقليمية إنتاجها بمفردها.
ومن هنا، تحتلّ الولايات المتحدة موقعاً محورياً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، لا بوصفها حليفاً عسكرياً فقط، بل باعتبارها الطرف القادر على ربط الإنجاز العسكري بترتيبات إقليمية أوسع. لكنّ هذه الحقيقة تضع "إسرائيل" أمام معادلة أكثر تعقيداً؛ فكلما ازدادت حاجتها إلى الدور الأميركي، تقلّصت قدرتها على الانفراد بتحديد شكل النظام الإقليمي الذي تسعى إلى بنائه. فواشنطن تنظر إلى ترتيبات ما بعد الحرب من منظور يتجاوز الأمن الإسرائيلي، ليشمل استقرار الإقليم، وإدارة شبكة تحالفاتها، واحتواء المنافسة الدولية، وتجنّب الانخراط في صراعات مفتوحة تستنزف مواردها.
ولا تقف المعضلة عند حدود التباين بين الرؤيتين الأميركية والإسرائيلية، بل تمتدّ إلى بقية الأطراف الإقليمية. فالنظام الذي تتطلّع "إسرائيل" إلى قيامه لا يمكن أن يقوم على التفاهم الأميركي–الإسرائيلي وحده، بل يحتاج إلى قبول شركاء الولايات المتحدة في المنطقة.
غير أنّ قبول هؤلاء الشركاء لا يمكن افتراضه بوصفه نتيجة تلقائية لأيّ تفاهم أميركي–إسرائيلي. فإقناع دول إقليمية مركزية بالانخراط في ترتيبات ما بعد الحرب يتطلّب أن تبدو هذه الترتيبات معبّرة عن مصالحها أيضاً، لا عن الأمن الإسرائيلي وحده. وهنا تبدأ المفارقة الأكثر حساسية: فكلما احتاجت "إسرائيل" إلى شراكة إقليمية أوسع لتثبيت بيئة أمنية جديدة، ازدادت احتمالات اضطرارها إلى قبول مطالب تمسّ بعض المرتكزات التقليدية لنظريتها الأمنية.
فبناء نظام إقليمي جديد قد يستدعي تقدّماً ملموساً في المسألة الفلسطينية، أو اعترافاً بأدوار إقليمية لقوى مثل تركيا، أو قبولاً بترتيبات أمنية وعسكرية تمنح بعض حلفاء واشنطن قدرات أوسع. وهذه كلّها قضايا لا تُعدّ تفصيلية في التفكير الإسرائيلي، لأنها تمسّ أسئلة جوهرية تتعلّق باستقلالية القرار الأمني، ومبدأ التفوّق النوعي، وموقع "إسرائيل" بوصفها القوة المركزية في الإقليم.
وبذلك، لا تبدو معضلة "إسرائيل" في أنها تحتاج إلى الولايات المتحدة وشركائها فحسب، بل في أنّ الشروط اللازمة لإنجاح النظام الإقليمي الجديد قد تتحوّل هي نفسها إلى قيود على بعض المبادئ التي قامت عليها نظرية الأمن القومي الإسرائيلي. فالمطلوب من "إسرائيل" كي تمنع إعادة إنتاج التهديدات قد يتحوّل، من زاوية أخرى، إلى عامل ضغط على مرتكزات أمنها التقليدية.
ولهذا، لا تبدو الإشكالية الأساسية في قدرة "إسرائيل" على استخدام القوة، وإنما في حدود قدرتها على تحويل نتائجها إلى نظام إقليمي مستقر. فالقوة تستطيع فتح المجال أمام ترتيبات جديدة، لكنها لا تستطيع بمفردها إنتاجها أو ضمان استمرارها. ومن هنا، يصبح نجاح أيّ استراتيجية إسرائيلية جديدة مرهوناً بقدرتها على التوفيق بين متطلّبات أمنها، وأولويات الحليف الأميركي، ومصالح القوى الإقليمية الأخرى، وهي معادلة أكثر تعقيداً من حسم أيّ مواجهة عسكرية.
*ثالثاً: عندما يصبح الداخل شرطاً للاستراتيجية.*
إذا كانت القوة العسكرية تفتح المجال أمام استراتيجية جديدة، وكان النظام الإقليمي يحدّد حدودها الخارجية، فإنّ الداخل يبقى الشرط الذي يحدّد قدرتها على الاستمرار. فالدول لا تنفّذ استراتيجياتها الكبرى بأدوات القوة وحدها، بل تحتاج إلى حامل سياسي ومؤسسي ومجتمعي يمنحها الزمن والاستقرار اللازمين للتحوّل من تصوّر إلى سياسة عامّة.
ومن هذه الزاوية، لم يعد الداخل الإسرائيلي مجرّد ساحة تأثّرت بالحرب، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن القومي ذاتها. فاستراتيجية تقوم على منع إعادة إنتاج التهديدات، وإدارة بيئة أمنية أكثر تعقيداً، والانخراط في ترتيبات إقليمية طويلة الأمد، تحتاج إلى قيادة قادرة على إنتاج قرار مستقر، ومؤسسات تعمل بانسجام، ومجتمع قادر على تحمّل كلفة ممتدة.
ولا تكمن الإشكالية في وجود الانقسام الداخلي بحدّ ذاته، فذلك سمة مألوفة في النظم الديمقراطية، وإنما في مدى تأثيره في استمرارية القرار الاستراتيجي، وثقة المجتمع بمؤسسات الدولة، وقدرتها على الالتزام بمسار طويل الأمد.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً لأنّ الحرب لم تترك الداخل الإسرائيلي كما كان قبلها. فقد عمّقت بعض الانقسامات القائمة، وولّدت أخرى جديدة، ليس فقط على مستوى المواقف السياسية، بل أيضاً على مستوى التصوّرات الأمنية والأيديولوجية. فالفجوة بين الحريديم وجنود الاحتياط، وبين مؤيّدي نتنياهو ومعارضيه، وبين الصهيونية الدينية الاستيطانية والتيار الليبرالي، لم تعد خلافات اجتماعية أو حزبية منفصلة عن سؤال الأمن، بل أصبحت جزءاً من النقاش حول معنى الكلفة، وحدود التضحية، ومن يملك شرعيّة تحديد الأولويات الوطنية.
ومن هنا، لا يكفي الحديث عن توافق مؤسسي أو انسجام بين مستويات القرار. فالاستراتيجية طويلة النفس تحتاج، قبل ذلك، إلى حدّ أدنى من التوافق المجتمعي حول معنى الأمن، ومن يتحمّل أعباءه، وما الثمن المقبول لتحقيقه. وإذا كانت ألف يوم من الحرب قد كرّست مزيداً من التشدّد في التوجّهات الأمنية والأيديولوجية، فإنّ ذلك يجعل مهمة بناء حامل داخلي للاستراتيجية أكثر صعوبة، لأنّ المجتمع لا يختلف فقط حول الوسائل، بل حول تعريف الغايات ذاتها.
ومن هنا، تتجاوز المراجعة الإسرائيلية سؤال القوة والبيئة الإقليمية إلى سؤال الدولة التي ستحمل هذه الاستراتيجية. فكلما ارتفع سقف الطموح الاستراتيجي، ازدادت الحاجة إلى داخل قادر على توفير الاستمرارية، لا مجرّد التعبئة المؤقتة. فالطوارئ قد توحّد المجتمع في لحظة الأزمة، لكنها لا تكفي لحمل استراتيجية تمتدّ لسنوات وتتطلّب موارد وثقة وانضباطاً مؤسسيّاً.
لذلك، لا يبدو الداخل الإسرائيلي عاملاً مساعداً في مستقبل الاستراتيجية، بل أحد شروط إمكانها. فالتفوّق العسكري يمنح "إسرائيل" قدرة على المبادرة، والدعم الأميركي يوفّر لها عمقاً استراتيجياً، لكنّ قدرة هذين العنصرين على التحوّل إلى استراتيجية مستقرة ستظلّ مرتبطة بقدرة الداخل على حملها والمحافظة عليها. ومن دون هذا الحامل، قد تبقى "إسرائيل" قادرة على إنتاج القوة، لكنها أقلّ قدرة على تحويلها إلى مسار استراتيجي مستدام.
*خاتمة: بين الطموح الاستراتيجي وتعقيد الواقع*
ربما لا يكون التحوّل الأهمّ الذي كشفت عنه ألف يوم من الحرب هو تغيّر حجم القوة الإسرائيلية، بل تغيّر الطريقة التي أصبح العقل الاستراتيجي الإسرائيلي يفكّر بها في هذه القوة. فقد أظهرت الحرب أنّ القوة، مهما بلغت، لا تنتج استراتيجية بذاتها، وأنّ الإنجاز العسكري لا يتحوّل تلقائياّ إلى أمن مستدام، ما لم تتوافر حوله بيئة إقليمية قابلة للاستمرار، وحامل داخلي قادر على صونها.
غير أنّ هذه المراجعة تفتح مفارقة أعمق. فكلما اتجهت "إسرائيل" إلى البحث عن استراتيجية أكثر قدرة على منع إعادة إنتاج التهديدات، وجدت نفسها أمام شروط قد تمسّ بعض المرتكزات التي قامت عليها نظريتها التقليدية للأمن القومي: استقلالية القرار الأمني، والتفوّق النوعي، وموقعها كقوة مركزية في الإقليم، وقدرة الداخل على إنتاج توافق طويل الأمد حول معنى الأمن وكلفته.
ولذلك، قد يكون من المبكر الحديث عن استراتيجية إسرائيلية جديدة اكتملت ملامحها بعد ألف يوم من الحرب. لكن يبدو أكثر دقة القول إنّ "إسرائيل" تبدو في طور إعادة تعريف عدد من المسلّمات التي حكمت تفكيرها الاستراتيجي لعقود. فالتحدّي لم يعد في تصميم الاستراتيجية الجديدة فقط، بل في توفير الشروط السياسية والإقليمية والداخلية التي تجعلها قابلة للحياة.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأكبر الذي فرضته ألف يوم من الحرب هو أيّ استراتيجية تبحث عنها "إسرائيل"، بل أيّ "إسرائيل" تستطيع حمل هذه الاستراتيجية. فهل ينجح المجتمع الإسرائيلي، بكلّ انقساماته وتحوّلاته، في إنتاج الحدّ الأدنى من التوافق اللازم لهذا التحوّل، أم أنّ القيود التي كشفتها الحرب ستظلّ تحدّد حدود الاستراتيجية التي يمكن لـ"إسرائيل" تبنّيها؟