الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...

عن “الثقافلوجيا”

عن “الثقافلوجيا”

تاريخ النشر: 2026-08-08 | 11:12

عبد الحسين شعبان
عبد الحسين شعبان

‏أجّلتُ تسليط الضوء على كتاب “لماذا يكره المثقفون بعضهم؟” للكاتب والروائي والناقد العراقي جمال حسين علي، وذلك لحين استكمال قراءتي لكتابيه المكمّلين للموضوع ذاته، وأعني بذلك “بلطجة المثقفين” و”بازار الثقافة الكبير”. وهي كتب تندرج فيما أسمّيه الثقافلوجيا أي “الثقافة ضدّ الثقافة”، تناول فيها الكثير من الظواهر المرضية التي يعيشها المثقفون في عالمنا العربي، محاولًا تعرية زيف العديد من الادعاءات، ومنتقدًا الكثير من التصرفات والسلوكيات المناقضة للقيم الإنسانية والجمالية. وقد جئت على ذكر بعضها في المقالتين الموسومتين “عن غيرة المثقّفين” و” الثقافة و”الأنا”.
‏وجمال حسين علي، على ما أحسب، معروف لدى المثقفين الجادين والحقيقيين من كتبه ومنجزاته الإبداعية، ويحمل شهادة دكتوراه في الفيزياء النووية من الاتحاد السوفياتي، وعمل مراسلًا حربيًا في كاراباخ وأذربيجان وأرمينيا والحرب الشيشانية الأولى والثانية، وأفغانستان والبوسنة والبلقان وكردستان ودارفور والعراق ولبنان، ودوّن خبراته في كتب أبرزها “انكسار عباد الشمس” و”افتتاح ثقب الإبرة”، والشيء بالشيء يُذكر، فالعديد من الأدباء عملوا كمراسلين حربيين، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، ليو تولستوي وإيرنست همنغواي وجورج أورويل وألبير كامو وغابريل غارسيا ماركيز وغيرهم.
ويقول عن نفسه: أكبر حب أخفيته وكأنه غير موجود هو حبّي للفيزياء، فقد قضيت حياتي بين الكتب والمكتبات وفي مكاتب الصحف والمجلات، وبدأت الأدب والعلم بالبحث كطريقة أساسية للتعلّم، لذلك كونت فكرتي عن الناس والكون والفضاء والتاريخ بشق النفس.
‏وبالعودة إلى كتاب “لماذا يكره المثقفون بعضهم؟”، الذي يراه البعض مستفزًا، إلّا أنني اعتبره دفاعًا عن الثقافة ضد التفاهة والرثاثة والتسطيح، فهو دعوةٌ لاحترام العقل وتشبّثٌ بالقيم الإنسانية وتمسّكٌ بالمعايير الأخلاقية، فالثقافة هي القوة الأكبر لصناعة العقل، والمثقّف الحقيقي هو الذي يترفّع عن دخول حروب لا تُغني ولا تُسمن من جوع، بل هي أقرب إلى حرب داحس والغبراء، حين تهيمن الكراهية ويستولي القبح على التسامح والجمال.
‏وحسب جمال فإن الخطر الأكبر الذي يهدّد الثقافة ليس الإنترنت أو التلفزيون أو السينما أو التطور التكنولوجي، بل إن أكبر الأخطار هي الثقافة حين تُقدَّم بشكل سيء، “الثقافة ضدّ الثقافة – الثقافلوجيا”، و “المثقّف ضدّ المثقّف”، حيث تنتشر ثقافة الترهيب والترغيب، ولكل شيء ثمنه، فالتهميش والإقصاء والقمع مقابل المناصب والجوائز والامتيازات؛ وينسى بعض المثقفين أو يتناسى دوره التنويري والنقدي كمبدع، فيصبح مروّجًا يزوّق خطاب أصحاب الشأن السياسي أو الحزبي أو الطائفي أو العنصري أو المالي، ويتحوّل إلى رقيب وحاجب على زملائه، يلهث لإرضاء مرؤوسيه الذين يتعاملون معه كموظف تابع يمكن الاستغناء عن خدماته لحظة ما يشاؤون.
‏وقد يسأل القارئ لماذا يقع المثقف وهو صاحب معرفة بمثل هذه الفخاخ؟ والاستدراك الذي يراودني باستمرار أن ثمة فارقًا بين المعرفة والحكمة، فقد لا تعوز المثقف المعلومات، بل تنقصه الحكمة، خصوصًا حين يزدحم قلبه بالأهواء والأنانية، ولذلك لابدّ من التمييز بين العالم والحكيم، فالأول يكون خاضعًا لأناه المضخّمة (الإيكو)، أما الثاني فهو يعرف نفسه ويستطيع أن يُنقّي قلبه من الشرور والكراهية، خصوصًا حين يكون همّه البحث عن الحقيقة وليس المصلحة الشخصية، وأظن أن تلك هي أخلاق المثقف الحقيقي، لاسيّما قدرته على الاعتراف بالآخر وممارسة النقد والنقد الذاتي بوصفه مسؤولية ثقافية ومعرفية وأخلاقية.
‏إن المثقف الذي يفرح بالتنكيل بزميله أو الإساءة إليه أو الانتقاص منه، لا يضيف إلى ثقافته شيئًا، وإنما يزيد من كراهيته، ليس إزاء زميله فحسب، بل إزاء نفسه وثقافته بتقديم شاهد جديد على أحقاده، بما يعكس ضيق الصدور وعتمة الأرواح وسوء النوايا، ويذكرني ذلك ببيت شعر الصديق وليد جمعة “ثراء في التفاصيل ونقص في النوايا”، وهي عبارة بليغة ذات حمولة نقدية وبُعد فلسفي.
للأسف فإن بعض المثقفين ينساق مع بعض الموجات السوداء لاعتبارات سياسية أو حزبوية أو طائفية أو إثنية، ولسان حاله يقول كل من هو ليس منّا فنحن غير معنيين به أو بالدفاع عنه، ويذهب البعض أكثر من ذلك حين يعتبر الآخر منافسًا يمكن المساهمة في تحطيمه أو السكوت على الانتقاص منه أو حتى إهانته أو تشويه سمعته، ويقول جمال حسين علي في معرض النقد الذاتي، وهو محق تمامًا، “كلنا يتحمّل المسؤولية ونحن من شجّعنا على الابتذال وعلينا أن نحاكم أنفسنا” ثم يتساءل لماذا يهرع الملايين لمتابعة الابتذال؟ ولماذا تكون نسبة المشاهدة الأعلى لمن يسميهم المجتمع ساقطين؟ ولماذا تغْبرّ الكتب العظيمة في الرفوف؟
‏هنا يكمن الفرق بين المثقف النقدي وبين أشباه المثقفين الذي تضجّ بهم وسائل الإعلام، ولم تكتفِ السلطات اليوم أو الشركات أو صنّاع الثقافة كالفضائيات والصحف وأصحاب المال بتطويع المثقف واستيعابه في منظومتها تحت عناوين المستشارين حتى وإنْ لم يستشاروا، لكن بعضهم يستطيب هذه المواقع ويعطي نفسه مثل هذه الأدوار البطولية والأمنية والاتصالات السرية بالدول والحكومات والدبلوماسيين والمبعوثين.


صوت العراق

×
أخبار
فولكس فاغن ورافائيل الإسرائيلية تخططان لإنتاج "قبة حديدية".. رغم اعتراض قطر مديرة "كنائس من أجل السلام": نطالب بمحاسبة إسرائيل على جرائمها ضد الفلسطينيين بزشكيان: انخفضت صادرات وواردات إيران بنسبة تصل إلى 35% قاضية تعلق أمر ترامب.. "معركة" أمريكية حول التصويت عبر البريد الليكود يهاجم بن غفير ويحذر من تشكيل حكومة يسار تقيم دولة فلسطينية منتجع ترامب في اسكتلندا يشعل مواجهة قضائية مع نشطاء مؤيدين لفلسطين نشطاء سلام يطالبون الاتحاد الأوروبي بوقف عنف المستوطنين في الضفة وقفة فلسطينية في بيروت رفضا للعقوبات الأمريكية على "فلسطين أكشن" في رسالة جديدة للشعب الإيراني..خامنئي:"ارتكاب أي أمر يضر بالانسجام الاجتماعي ممنوع" زعيم الديمقراطيين بـ"النواب الأميركي" يطالب بإقالة هيغسيث وإنهاء حرب إيران عبري: السعودية لم تعد تنتظر إسرائيل..والثمن قد يكون باهظا هيئة الجدار: المستوطنون أشعلوا 799 حريقا في الضفة حتى يويو الماضي ممرات القوقاز لا تعوض مضيق هرمز لكنها تهمّش دور إيران في شبكات الطاقة العالمية الخزانة الأمريكية تبدأ إجراءات عقابية ضد "بنك مصر - الإمارات" لصلته بالنظام الإيراني "سلاح في الخفاء ودبلوماسيّة في العلن: أسرار التواجد الصيني بين إيران والخليج" فايننشال تايمز: كيف بددت "كارثة إيران" أسطورة العبقري الاستراتيجي لدى ترامب؟ تقرير يتنبأ بمرشحي خلافة غيراسيموف ويرسم خريطة الجيل الجديد لجنرالات روسيا تقرير : ضربة "أبو الظهور" ترسم خطاً أحمر أمام النفوذ التركي بسوريا جيش الاحتلال يحذر نتنياهو من خروج الضفة عن السيطرة بسبب عنف المستوطنين تفاعلات أزمة هرمز 2026: كيف أعاد تعطّل الغاز الخليجي تشكيل سوق الطاقة العالمي؟ جيش الاحتلال يعلن استهداف مسلّحين داخل مركبتهما في جنين - فيديو تقرير: دوافع سياسية وانتخابية وراء تحول ترامب للعقوبات ضد إيران تقرير: التوسع النووي الأمريكي يضعف الردع ويزيد مخاطر التصعيد مع الصين وروسيا شهداء وجرحى في قصف إسرائيلي استهدف غزة وخانيونس- أسماء 538 قتيلا وفقدان أكثر من 1300 شخص جراء فيضانات نيبال لجنة انتخابات المجلس الوطني تتفق على اعتماد المجمع الانتخابي لاختيار ممثلي الجالية الفلسطينية في السويد روسيا تتبنى عقيدة "الدقة الجماعية" للضربات في حرب استنزاف طاحنة بأوكرانيا رغم النفي الرسمي.. استعدادات أمنية إسرائيلية لفتح معبر بيت حانون "إيرز" مطلع سبتمبر اتحاد الجاليات الفلسطينية في أوروبا يطالب المجتمع الدولي توفير الحماية ومحاسبة دولة الاحتلال بريطانيا تحذر: طرد ممثلينا من المركز الدولي لدعم غزة سيقوض جهود تحسين الأوضاع

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط