بعد مرور نصف عام على تولّي ستيف فيتكوف منصب المبعوث الخاص لدونالد ترامب، يبدو أن الوعود الكبيرة بدأت تتلاشى. دخل فيتكوف هذا الدور باندفاع غير معتاد، وكانت رؤيته للشؤون الدبلوماسية كصفقة عقارات ينبغي إنجازها سببًا في إنجاح صفقة كانون الثاني/يناير، التي ما كانت لتُبرم من دونه. لكن غياب الإلمام بالتفاصيل الصغيرة، وعدم معرفته بأساليب المناورة لدى بنيامين نتنياهو، وسوء فهمه العميق للمنطقة، كلها كانت وبالًا عليه منذ ذلك الحين. انهار مخطط فيتكوف لصفقة جزئية كانت من المفترض أن تُمهّد الطريق لصفقة شاملة. لم يُثمر الجهد الأميركي-القطري-المصري الضخم شيئًا، سوى أزمة إنسانية في غزة. فشلت المحادثات مع إيران، ولم يحدث أي تقدّم على جبهة روسيا-أوكرانيا أيضًا.
لكن في أمر واحد لا شك فيه: فيتكوف يهتم فعلًا بقضية الأسرى، وهذا ليس تمثيلًا. يراها مسألة شخصية ترتبط بوفاة ابنه. وعندما تطلّب الأمر الضغط على إسرائيل لوقف المماطلة من أجل دفع قضية تحرير عِدان ألكسندر، لم يتردّد حتى في استخدام الشتائم. لكن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي.
فاجأ فيتكوف بالأمس عائلات الأسرى الذين التقاهم في “ساحة الأسرى” في تل أبيب، حين قال إن حماس وافقت على التخلي عن سلاحها. لكن الحركة سارعت إلى نفي ذلك، كما أن جهات مصرية وقطرية أكدت أنها لا تعرف شيئًا عن هذا التعهّد. يبدو أن فيتكوف، في محاولة لرفع معنويات العائلات، لم يكن دقيقًا. مما قيل في اللقاء، يتّضح – كما كُتب هنا سابقًا – أن الولايات المتحدة تخلّت عن الصفقة الجزئية، وتسعى الآن إلى إنهاء الحرب دفعة واحدة. تُطرح العديد من الأفكار، لكن لا أحد يعرف ما هو واقعي منها وما هو مجرد أماني.
زيارة فيتكوف تهدف إلى الترويج لمسارات إنسانية بديلة، أي أن الولايات المتحدة تنتزع من بتسلئيل سموتريتش السيطرة على المساعدات الإنسانية، وتتولى إدارتها بنفسها. الرؤية الأميركية تقضي بأن الدول العربية “المعتدلة” – أي السعودية والإمارات وقطر – ستتسلّم، كمرحلة تجريبية، مسؤولية إدارة بعض المناطق، بحيث تُقدَّم فيها مساعدات غذائية أفضل للفلسطينيين، وتُبنى فيها بنية تحتية أساسية للخدمات. الهدف هو تقليص نفوذ حماس في تلك المناطق، وإتاحة بدء إعادة إعمار غزة، لكن من المبكر القول ما إذا كان هذا المشروع سينجح.
قال فيتكوف لعائلات الأسرى أيضًا إن نتنياهو يريد إنهاء الحرب. للأسف، هنا وقع في الفخ، وسيتضح له ذلك قريبًا. نتنياهو يضع شروطًا يعلم مسبقًا أن حماس سترفضها، ليتمكّن من القول إن حماس هي من يعرقل التقدم، وهكذا يحافظ على الوضع القائم في غزة دون أن يُتّهم هو بالمماطلة. مطلبه بشأن “نزع سلاح غزة” غير واضح، وفي محيطه يُضاف إليه مطلب تسليم “خريطة الأنفاق” في القطاع.
أما في الموضوع الآخر، فليس لفيتكوف إلا أن يلوم ترامب، الذي ألقى في البئر حجر “خطة التهجير”، ما أثار شهية اليمين التوراتي، الذي يعرف كيف يضغط على نتنياهو. فبالنسبة لرئيس الحكومة، الذي يعد إيتمار بن غفير بأن الخطة لا تزال مطروحة، فإنها تمثل شرطًا لإنهاء الحرب. لكن لا توجد دولة عربية تقبل تسوية تنبع منها رائحة التهجير، حتى لو قالت إسرائيل ألف مرة إن الأمر يتمّ “طوعًا” أو أنه “إعادة توطين في مكان أفضل”.
أما الحلّ الحقيقي للأزمة، فهو بيد رئيس الولايات المتحدة، الذي عليه أن يوضح لنتنياهو حقيقة الموقف، وأن يأمل بأن تفي قطر بالتزاماتها. شروط الصفقة معروفة منذ شهور طويلة، ولم تتغير ولن تتغير: وقف الحرب، إعادة الأسرى، الإفراج عن جميع الأسرى الفلسطينيين المحكومين بالمؤبد في السجون الإسرائيلية، انسحاب الجيش الإسرائيلي الكامل، وتخلي حماس عن الحكم، وتشكيل ائتلاف عربي يتولّى إدارة غزة
عن هآرتس
*ترجمة مصطفى إبراهيم
