يعيش عالمنا اليوم، مع التقانة الذكية وثقافتها، وفي مرحلة تاريخية واستثنائية في تاريخ البشرية، تقانة قوية وسريعة ومنتشرة وتتطور في كل يوم، تتكيف وتساعد على اتخاذ القرارات، وبناء أنظمة، وصناعة وقائع جديدة، وقادرة على التفكير بسرعة وكفاءة، عابرة للحدود والفضاءات.
تقانة تُجيب عن أسئلة حالات الإنسان المعقدة، تكسر الجدُر مع الثقافة، توسع مساحات الوصول إليها، بعد أن كانت متاحة فقط لمن يرغب فيها، ولديه الشغف في حقولها، والتمتع بها، ويملك الرغبة والقدرة على القراءة والتذوق والتأمل في أبعادها والتأثر بنتاجها ومعطياتها.
على مر العصور، كانت الثقافة الأصيلة والرصينة معرفياً، ذات تأثير كبير في حياة البشرية، أثْرت الوعي، وحفّزت الحوار والتواصل والتفاعل والتعارف بين المعنيين بها، وهذّبت الذوق في المجال العام المجتمعي، وأسهمت في بلورة هُويات وخصوصيات إبداعية لشعوب الأرض.
من نافلة القول، إن التقانة بابتكاراتها ووسائلها، قد خدمت الإنسانية، بخاصة حقول الثقافة المختلفة، وعلى مر العصور، من نحت وعمارة وصور وآثار ومخطوطات وشعر وحكم وفنون وقصص.. إلخ، فضلاً عن آلات تكتب وتطبع وتحفظ، وصولاً إلى الهواتف المحمولة.
آلة تحل محل آلة، ترتقي بالإنسان، وتجيب عن أسئلته المتجددة واحتياجاته المتغيرة، حتى وصل الإنسان إلى ابتكار آلة ذكية تحل محل الإنسان نفسه وتقوم ببعض أدواره في مجالات عدة، ليس فقط في الطب والنقل والأمن وتحليل البيانات الضخمة ومجالات المال والأعمال والتعليم والزراعة... إلخ، بل في الشعر والرواية والترجمة وغيرها. وصارت الآلة الذكية كاتباً وعالماً ومفكراً ولغوياً، وتؤلف القصيدة والمقال والمسرحية والأطروحة الجامعية وتصنع الأغنية والألحان وتزِّيف الحقائق... إلخ.
لا أحد يستطيع أن يتخيل تخلّي الإنسان عن إبداعاته الثقافية، أو أن يتوقف عن القراءة، أو عن استدعاء ذاكرته الفردية والجمعية، برموزها وطقوسها وسردياتها وخصوصياتها.
نعم، صنعت الآلة الذكية واقعاً جديداً، لكن كيف لها أن تساعد البشرية على تجاوز تعقيدات حياتها وتنقلها إلى حياة أكثر أمناً وجودة، وتماسكاً اجتماعياً، وقيماً إنسانية مشتركة، وتكون الآلة الذكية أداة داعمة لتعزيز قدرات الإنسان المعرفية والإبداعية؟
كيف نواجه، في عصر الآلة الذكية، الفراغ الروحي والأخلاقي، وأزمات المعنى، ونعيد تأسيس مجتمعات متماسكة ومتوازنة، وبقواعد صلبة من التنشئة الاجتماعية السوِّيّة داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع؟
نحتاج، في أزمنة الانفتاح والرقمنة الصاخبة، ووفرة المعلومات، إلى تأهيل الأجيال الشابة، للتعامل مع الضغوط المعرفية وتنمية القدرة لديهم على التفكير النقدي، خاصة مع ظواهر تراجع التفاعل البشري، في المدرسة والمجتمع، وتراجع التأمل والمهارات الاجتماعية، كالتعاطف وضبط النفس، وقيم القدوة الصالحة والمسؤولية الاجتماعية.
أحدثت ثورة المعلومات والاتصال والآلة الذكية تحولات فسيولوجية وثقافية هائلة، من بينها: حرص الأجيال الشابة على بناء «ذات رقمية» عبر الصور والتغريدات، وميل جامح إلى البحث عن «إعجاب المتابعين»، بدلاً من بناء هوية ناضجة ومستقرة. وشكّل هذا التدفق الهائل من الصور والفيديوهات، استنفاراً للعقل وتشتيتاً له، إلى درجة قد تجعله عاجزاً عن التركيز والتفكير التأملي.
نعم، يتواصل الإنسان «افتراضياً» أكثر، لكنه أكثر عزلة، يستهلك أكثر، لكنه أقل رضا. نحتاج إلى دراسات علمية واجتماعية وثقافية متكاملة، حول تأثيرات التقنيات الجديدة، بما فيها ألعاب «الفيديو» في طريقة تفكير الأجيال الشابة، وهُويتهم الثقافية.
نحتاج إلى إعادة «هندسة» علاقة الأجيال الشابة في مدارسنا بالفضاء الرقمي الثقافي والمعرفي، ليصبح وسيلة لتربية الذائقة الجمالية والفكرية، والإنتاجية والتفاعلية الإيجابية، وتعزيز قيم التسامح والتعايش، والثقة بالنفس، وترسيخ عناصر الهُوية الوطنية، وإحياء مستدام للذاكرة الثقافية الجمعية.
التقانة الذكية والثقافة
تاريخ النشر : 2026-02-19 23:27
