رسائل إلى ساكني الهامش..حيث لا تلمسهم الشمس..!
تاريخ النشر : 2026-04-22 16:20

لا تكتب لمن يقرأون،بل اكتب لأولئك الذين لا تُقرأ حياتهم في الصحف.اكتب للأنقياء الذين يشبهون المطر قبل أن يُدنسه الأسفلت،قبل أن يتحول إلى وحل في مزاريب المدينة.اكتب لمن لا يعرفون إن "كانت "صحيفة الشرق الأوسط" تصدر في لندن أم في إنجامينا" لأن العالم عندهم لا يتسع لأكثر من حدود القرية،واسم الحقل،ولون التراب عند الفجر.!

اكتب لمن يولدون ويموتون في المكان نفسه،دون أن يخونوا أصدقاءهم،أو يبيعوا كرامتهم في سوق النخاسة،أو يتعلموا كيف يعزفون للغيم أنشودة الرحيل..أولئك الذين ظلوا أوفياء لطريقة صمتهم أمام التحقيق،كما كانوا شامخين داخل أقبية التعذيب وزنزنات أمن الدولة..

اكتب للعامل الذي يتاجرون بالعرق المتصبب على جبينه النحاسي،ويرسمون على ساعده خريطة جوع لا تنتهي.اكتب للأم الثكلى التي استقر جسد إبنها في عمق اللجة أثناء عبوره الأبيض المتوسط على قارب الموت..وظلت تذرف دموعها على وسادة ليل موغل في الدياجير..اكتب للقادمين في موكب الآتي الجليل..

اكتب للفلاح الذي يبارك المطر كأنه نبي نازل من السماء،وينتشي بالبرق كأنه عاشق يراه أول مرة، ويطرب للرعد كأنه موسيقا لا يعرف لها اسما. 

اكتب لأمثالي،من أولئك الذين أسقطتهم القافلة سهوا عنهم،فجلسوا واجمين أمام الغروب العظيم.. لأنه لا شيء يضيء وجوههم في خريف العمر..

اكتب لأولئك الذين يقضون أعمارهم على الأرصفة المتنقلة إلى المجهول،تتلاشى أحلامهم في ازدحام الصباح،ولم يقابلوا في حياتهم الطويلة أحدا غير ظلالهم التي تمتد أمامهم من الجغرافيا إلى ارتعاشات القلب كرف جناح..كشهود صامتين على عمر يسرج غيمته للرحيل.

اكتب للمطر.للحب الذي تأخر.للحرية الحاضرة بالغياب.للربيع المتنكر في ثوب الخريف و يعلمنا كيف نموت بصمت.!

لا تكتب لأنك تملك موهبة،بل لترسم إسمك على سطوح الروح.اكتب لأنك حي.اكتب كي تبقى على قيد البقاء..وكفى..

في النهاية،الكتابة لأولئك المهمشين ليست عملا أدبيا،بل هي فعل مقاومة صامتة ضد ثقافة الثناء الأعمى والتصفيق الأخرس.اكتب،لهؤلاء الذين يملؤون الأرض رمادا وحنينا،ومن دونهم تصبح لغتنا مجرد زخرفة بلا روح..! 

فلنكتب لهم بحبر الروح ودم القصيدة،ليس لأنهم بحاجة إلينا،بل لأننا نحن من نحتاج إلى تذكر أن الجوهر الحقيقي للإنسانية يقبع هناك،تحت غبار الطريق،في انتظار نظرة أو جملة تعترف بأنهم كانوا هنا. 

وبهذا فقط،نستحق أن نكون كتابا..

وأخيرا،حين تنطفئ أضواء القاعات وتُطوى الصحف،يبقى أولئك الذين لا اسم لهم في سجلات المجد،ولا عنوان لهم في خرائط الضوء.هم الذين علمونا أن الصمت أحيانا أبلغ من ألف خطاب،وأن الوقوف على الهامش ليس ضعفا،بل اختيارا صامدا في وجه عاصفة لا ترحم. 

إنهم مرايا الإنسانية التي لا تكذب،وحكايات الأرض التي لا تموت.فإذا كنت تكتب،فاكتب لهم لا كي يقرأك أحد،بل كي تشهد أنهم كانوا هنا،وأنهم ما زالوا،رغم كل شيء،نبض هذه الحياة الذي لا يخفت.

 أما نحن،فنحن المدينون لهم،لأنهم يذكروننا،في كل صباح،بأن الجمال الحقيقي لا يُرى،بل يُحس، في أعماق لا تلمسها الشمس،لكنها لا تخلو أبدا من نور..