لم أقتنع يوماً بالجلسات النسائية ، حيث لا يتعدى مستوى الحوار فيها عن كيفية إعداد الطعام ، أضف الى ذلك حلقات من الثرثرة العقيمة لا فائدة منها ولا اغتنام ، تفتقد أَى صور للشكر على النعم الربانية و عبارات الإمتنان ، ناهيك عن ذلك أن جُلَّ تركيز المرأة يقتصر على الدراما الاجتماعية وأخر صيحات الموضة وعالم المكياج ، وتتبع مراحل حياة عاشق في المدينة أو فنان ، وانا أفتقدهم جميعاً ، وأخر اهتماماتى نوع الغذاء و منطق الثرثرة والكلام .....
كل طرق التفكير اختلفت لدى منذ الطفولة حتى يومي هذا ، وتركت انطباع قوي نحو مَجّد يُبنى على أُسسٍ متينة ، يرتكز على عناصر ودعائم التفكير السوى المُوجَه نحو كل ماهو استراتيجى لا تكتيكي في هذه الحياه ....
كنت أنصت دوماً لحديث الطرف الأخر من كِبارِ القوم ، وكلي آذان صاغية للحصول على شهادات حية تُسعف الذاكرة من الضياع ، أو ما يسمى بالتاريخ الشفوى ، وتحليل ما ينشر عبر وكالات الأخبار المحلية والعالمية من أنباء ، كذلك تعلمت من دراسة التاريخ في الجامعة ، كيفية تفنيد الروايات وفحص مدى مصداقيتها ، والإعتماد على كَيّف الأدلة و كَمّ البراهين ......
ولكن ....
هل تغير شئ ما في هذه الحياه ؟ أم التغيير غلب براعة التفكير لدى ؟ ؟؟
اليوم أضطررت للاجتماع مع بنات جلدتى ، تحت مُسمى فن المواساة العائلية ، في البداية كِدتُ أنسى حيثيات الجلسة ، كنت مجرد حاضرة مستمعة لهن فقط ، لم يتبادر الى ذهني المشاركة ولو بأطراف الحديث لا عمقه ، الصمت كان سيد الموقف ، في ظل بكاء احداهن على الأطلال وفقدان الديار ، وتكرار لعنة العيش داخل الخيام ، وارتفاع مستويات الصدمة ووتيرة الضغط لديهن ، وعدم الدخول في مرحلة التقبل لما حدث وصار ، ومحاولة التأقلم والتكيف في بيئة جديدة تختلف عما سبق أولها ركام وأخرها دمار .....
الا امراة واحدة ووحيدة من بينهن ، لم تغادرها الابتسامة طوال اللقاء ، بل صنعت من جلسة المواساه أُولى مراحل المعافاه ....
هل هى حقاً سعيدة مبتهجة تتلون بألوان الربيع ؟ هل هى تعتبر نفسها خارج اطار الكارثة التى حلت بنا ؟ أم لا تتاح لها فرصة التواصل الزمانى والمكانى مع بقية نساء المخيم ؟
هل تستحق أن تفوز بلقب المراة الحديدية ؟ ؟؟؟؟
هل وهل ولا أريد أن أسأل ، وأنا أُتقن لغة قراءة العيون من الوهلة الاولى بلا ملل ، رأيت في عيناها ما رأيت ، وفى قُرتيها ادارة الأ زمات ، وصناعة الأمل ، مقترحات أولى وأخيرة وسُبل الحل .....
بإختصار هى أُولى المسافرات نحو ملاذ الأمان ، والبعد كل البعد عن مسببات التوتر والإحتقان ، تغرد عالياً في سماء التحدى من خلال توزيع ابتساماتها لا الغليان ، وما ينتج عنه من تخريب وتذمر و تدمير لصحة ما تبقى من بقايا إنسان ، وهبها عزيز مقتدر منان ...
هى من أُولى المراسلات التى ارسلت عبر اثيرها رسالة حب واطمئنان ، هى السلام الداخلى ذاته ، وما أزهى تباشير الوَصل ، سر السعادة ونِعّمَ الألوان...
هى من أصدرت القرار وما الصبر وثوابه الا رَد إعتبار ، هى الفعل ورد الفعل ، لا خيار ولا اختيار ، تتمثل فيها الفِطرَة و عبق الماضي والرائحة العطِرَة ، تفصل الحاضر عنه بلا جدار فصل مُدار ، تجتاز خط الهدنة ، كالطفلة البريئة تحاور ذاتها أولاً وغيرها ثانياً ، دون التطرق لأفعال الكِبار ، هى مثل السكون على اخر الكلمة في جملة خبرية ومفصلية ، هى اللغة وكل اللغة بحر وأسرار .....
ترجلت عن صمتي وحاورتها قليلاً ، لَعلى أخرج من تلك الجلسة النسائية التى يغلب عليها طابع الحيرة نحو الأيام القادمة وما تحمله في طياتها ، بسيل من الإجابات ، وسر توزيع الابتسامات من قبل هذه المرأة على النساء الحاضرات ، ومحاولة خلق حالة من كى الوعى بلا منغصات ، استوقفتنى راجعت ذاتى أ إلى هذا الحد بات الحزن مسلكاًومسكناً ونهجاً ومَقراً ، ونسيت أن العمر يُوهَب مرة واحدة لا مرات .....
للمرة الاولى أقِرُ واعترف بأن هذه الجلسة بها وفيها أُولى مراحل التعافى والتشافي من هول وتراكم الصدمات ، ولو فى كل عائلة تقطن المخيم ، امراة كهذه بتنا بسلام ،بعيداً عن ناشرات البؤس و الخوف وتفعيل حالات الهلع دون وجود حدث أو جرس انذار و فعلٍ يُلام ، استناداً الى شائعات وحرب نفسية مصدرها اليأس والحيرة ونَسِينَ وجود القادر على كل شى الله المستعان .....
