تاريخ النشر: 2026-10-19 | 15:28
تاريخ النشر: 2026-10-19 | 15:28
لم تكن الخليل قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 مجرد مدينة فلسطينية كبيرة، بل مركزاً صناعياً وتجارياً تتجاوز أهميته حدود المحافظة. فمن مصانع الحجر والأحذية والمواد الغذائية والزجاج، إلى أسواق البلدة القديمة ومحال الذهب والمشاغل الحرفية، شكّلت المدينة ركيزة أساسية للاقتصاد الفلسطيني، ومصدر رزق لآلاف الأسر.
لكن الحرب وما رافقها من قيود إسرائيلية على الحركة والوصول، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية وفقدان فرص العمل، غيّرت ملامح الحياة اليومية، ولم يعد الفارق بين الخليل قبل الحرب وبعدها محصوراً في حجم المبيعات، بل امتد إلى دخل الأسرة، واستقرار العامل، ووصول الطالب إلى مدرسته، وقدرة المواطن على التنقل، أما الأمن والأمان الشخصي، فقد تزعزعا أيضاً في ظل الواقع القائم.
البلدة القديمة: من الحركة التجارية إلى انتظار الزبائن
قبل الحرب، كانت أسواق الخليل تستفيد من حركة السكان والزوار والرحلات المدرسية والجامعية، إلى جانب الزائرين من مناطق الداخل الفلسطيني، وقدّر تقرير للجزيرة في يوليو/تموز 2025 عدد زوار المحافظة بنحو نصف مليون سنوياً قبل الحرب، في مؤشر إلى أهمية السياحة في دعم المحال والحرف التقليدية.
أما اليوم، فتواجه البلدة القديمة واقعاً أشد صعوبة. فالإغلاقات والحواجز والقيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إلى مناطق من المدينة تقلّص حركة الزبائن، وتزيد عزلة التجار عن محيطهم الاقتصادي. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن القيود في المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في الخليل أعاقت وصول السكان إلى الأسواق والخدمات الأساسية.
وتكشف شهادة التاجر أبو وحيد النتشة، التي نقلتها وكالة وطن في 29 أغسطس/آب 2026، حجم التحول؛ إذ قال إن الحركة الشرائية في البلدة القديمة تراجعت إلى نحو 5% من مستواها قبل الحرب. وهذه شهادة فردية تعبّر عن تجربة التاجر، وليست إحصائية شاملة لجميع محال المدينة.
المشكلة، إذن، ليست في ضعف الإقبال وحده، بل في صعوبة الوصول إلى السوق أصلًا، وفي تقلص قدرة السكان على الشراء، ما يضع أصحاب المحال أمام معادلة قاسية، تكاليف تشغيل مستمرة مقابل مبيعات محدودة.
من المصانع إلى البطالة: كيف تغيّر دخل الأسر؟
تضم محافظة الخليل آلاف المنشآت التجارية والصناعية، وتشتهر بصناعات الحجر والجلود والأحذية والأغذية والذهب والزجاج، لكن هذه القطاعات تضررت بفعل تعطل سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف النقل، وصعوبة وصول المواد الخام، وتراجع الأسواق.
وبحسب تقرير الجزيرة المنشور في يوليو/تموز 2025، تراجع الإنتاج في قطاع الصناعة بالمحافظة بنسبة 34%، فيما انخفضت السياحة الداخلية بنسبة 80%. كما أشار ممثلو القطاع الصناعي إلى تراجع إنتاج الصناعات الجلدية وتوقف بعض المصانع، في انعكاس مباشر لأزمة الإنتاج والتسويق.
وزادت خسارة الوظائف داخل إسرائيل من الضغوط على الأسر. فوفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، انخفض عدد العاملين من الضفة الغربية داخل إسرائيل والمستعمرات من نحو 172 ألفاً قبل الحرب إلى قرابة 51 ألفاً في الربع الرابع من عام 2025. وارتفعت البطالة في الضفة الغربية من نحو 13% في الربع الثالث من 2023 إلى نحو 28% في الربع الرابع من 2025.
وهذه أرقام للضفة الغربية عموماً، لا للخليل وحدها، لكنها تساعد على تفسير تراجع السيولة في الأسواق المحلية. فحين يفقد العامل مصدر دخله، تتأثر قدرته على الإنفاق، وتتراجع مبيعات المتاجر، ثم يضطر أصحاب الأعمال إلى تقليص العمالة أو الإغلاق. وهكذا تتحول خسارة الوظيفة إلى أزمة تمتد آثارها من الأسرة إلى السوق والمصنع.
التعليم والتنقل: كلفة يومية تتجاوز المال
لم تسلم الحياة التعليمية من تداعيات القيود. فقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تعطل وصول آلاف الطلبة في المنطقة H2 بالخليل إلى التعليم الوجاهي خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومايو/أيار 2024، واضطرار طلبة ومعلمين إلى سلوك طرق بديلة أطول للوصول إلى مدارسهم.
وتعني هذه الظروف وقتاً ضائعاً وأعباء إضافية على الأسر، فضلاً عن أثرها في انتظام التعليم وشعور الطلبة بالأمان. كما أن صعوبة التنقل لا تؤثر في الطلاب وحدهم؛ فهي تعرقل وصول العمال إلى وظائفهم، والتجار إلى محالهم، والمستهلكين إلى الأسواق، وتزيد تكلفة نقل البضائع.
كيف يمكن استعادة النشاط الاقتصادي؟
إنقاذ اقتصاد الخليل يحتاج إلى خطوات عملية متوازية، لا إلى دعوات عامة للصمود وحدها.
أولاً، يتطلب الأمر تحركاً فلسطينياً ودولياً جاداً للضغط من أجل إزالة القيود التي تعطل وصول السكان والتجار إلى البلدة القديمة، وفتح الطرق والمعابر التجارية، وضمان حركة البضائع والمواد الخام.
ثانياً، ينبغي للجهات الحكومية والغرف التجارية والمؤسسات المصرفية إطلاق برامج تمويل طارئ وقروض ميسرة للمنشآت المتضررة، وتأجيل الالتزامات المستحقة على المشاريع الصغيرة التي تراجعت مبيعاتها، مع دعم الأجور للحفاظ على فرص العمل.
ثالثاً، يمكن تنظيم حملات شراء من المنتج المحلي، وأسواق موسمية ومعارض للصناعات الخليلية، وتطوير التسويق الإلكتروني والتصدير إلى أسواق بديلة. كما تحتاج البلدة القديمة إلى خطة مشتركة لإعادة تنشيط السياحة والتراث والحرف، ترتبط بتحسين الوصول إليها ودعم التجار المتبقين فيها.
وأخيراً، يجب إنشاء قاعدة بيانات دورية توثق أعداد المحال العاملة والمغلقة، وحجم الإنتاج والبطالة وحركة الزوار، حتى تُبنى التدخلات على مؤشرات قابلة للقياس، لا على تقديرات متفرقة.
الخليل لا تحتاج إلى استعادة زبائنها فحسب، بل إلى استعادة شروط الحياة الاقتصادية والأمنية نفسها. فحين يصبح الوصول إلى المحل أو المصنع أو المدرسة محفوفاً بالقيود والمخاطر، لا تكفي قدرة التاجر على الصمود وحدها، بل يغدو التصرف بحكمة ووعي مجتمعي أمراً حاسماً للحفاظ على الأمان الشخصي والاستقرار الداخلي. إن استعادة مكانة الخليل الاقتصادية تبدأ بتخفيف القيود التي تخنق حركتها، وحماية المنتج المحلي، ومساندة العمال والأسر؛ لأن تعافي المدينة ليس شأناً تجارياً فحسب، بل شرط أساسي لاستقرار المجتمع الفلسطيني وقدرته على البقاء فوق أرضه.