حكاية امرأة هزمت الحرب... ولم تستطع الحياة القاسية أن تنتزع منها إنسانيتها.
قد أكون متحيزة للمرأة الفلسطينية في غزة، نعم، وربما أكون منحازة إليها بكل ما أحمل من مشاعر الفخر والاعتزاز، لكن كيف لا أنحاز لإمرأة صنعت من الصبر قوة، ومن الإيمان طاقة، ومن الأمل نافذة تطل منها على الحياة، رغم أن كل النوافذ من حولها قد أُغلقت؟!
لماذا أنتِ أيتها المرأة الفلسطينية في غزة مختلفة إلى هذا الحد؟!
كيف استطعتِ أن تحملي كل هذا الوجع، وأن تواصلي السير وكأن في قلبك وطناً لا ينكسر؟ .
كيف استطعتِ أن تتكيفي مع حياة لم تختاريها، وأن تطوّعي قسوة الطبيعة والظروف لتصنعي منها شكلاً من أشكال البقاء؟
في الوقت الذي تبحث فيه نساء العالم عن مقومات الراحة والاستقرار، تبحثين أنتِ عن أبسط مقومات الحياة. قد يصبح الحصول على الماء إنجازاً، وإعداد وجبة طعام معركة يومية، وتأمين غاز الطهي حلماً مؤجلاً، وإيجاد مكان آمن لأطفالك مهمة لا تعرفين كيف تنتهين منها. ومع ذلك... تنهضين! تنهضين وفي قلبك خوف على أطفالك، وفي عينيك حكايات فقد ووجع، وعلى كتفيك مسؤوليات تفوق طاقة البشر. تحاولين أن تصنعي من القليل حياة، ومن العدم وسيلة للبقاء، ومن بقايا الأشياء احتياجات لأسرتك. فأنتِ الأم التي تخفي دمعتها كي لا يرى أطفالها انكسارها، والزوجة التي تسند أسرتها رغم حاجتها لمن يسندها، والابنة التي تخشى على والديها، والمرأة التي فقدت بيتها وربما أحباءها، لكنها لم تفقد إحساسها بالمسؤولية تجاه من بقي حولها.
أنتِ التي تتقنين فن التكيف مع المستحيل؛ تتعاملين مع الطبيعة كما هي، وتبتكرين حلولاً في غياب الإمكانيات، وتعيدين ترتيب تفاصيل يومك وفق ما تسمح به ظروف الحرب والحصار. لا لأن هذه الحياة طبيعية أو مقبولة، بل لأن غريزة الحياة في داخلك أقوى من محاولات انتزاعها. لكن عظمتك لا تكمن في قدرتك على التحمل وحدها، بل في أنكِ، رغم كل ما مررتِ به، ما زلتِ تحتفظين بإنسانيتك، وبعاطفتك، وبقدرتك على الحب والعطاء والتضامن.
لقد شربتِ روحك الوطنية من تراب وطنك، وتشكل وعيك من حكايات الأرض والانتماء والذاكرة. أنتِ لا تحملين الوطن في كلماتك فقط، بل تحملينه في إصرارك على البقاء، وفي حرصك على تربية أبنائك، وفي رفضك أن تتحول المأساة إلى نهاية للحلم. ومع كل هذا الفخر، لا ينبغي أن ننسى حقيقة مهمة: ليس من العدل أن يُطلب من المرأة الفلسطينية أن تكون قوية طوال الوقت، وليس من الإنصاف أن تتحول قدرتها على الصمود إلى مبرر لاستمرار حرمانها من حقوقها.
هي لا تحتاج إلى مزيد من اختبارات الصبر، بل تحتاج إلى الأمان والكرامة والعدالة، وإلى بيت يحميها، وغذاء يكفي أطفالها، ودواء متاح، وحياة لا تضطر فيها إلى خوض معركة يومية من أجل أبسط حقوقها.
إن تكريم المرأة الفلسطينية لا يكون بالتصفيق لصمودها فقط، بل بالاعتراف بحقها في أن تعيش حياة كريمة، وأن تحلم وتتعلم وتعمل وتفرح، وأن تكون امرأة لا مقاتلة يومية من أجل البقاء.
أيتها المرأة الفلسطينية في غزة...
لستِ مجرد قصة ألم تُروى، ولا صورة نزوح تُعرض، ولا رقماً يُضاف إلى إحصائيات الضحايا والناجين.
أنتِ حكاية وطن، ومدرسة في الإرادة، وشاهد حي على أن الإنسان قد يُحاصر في أرضه، لكنه لا يُحاصر بالضرورة في روحه. قد تُهدم البيوت، وتُطفأ المصابيح، وتُثقل الأيام بالأوجاع، لكن في داخلك جذوة حياة لا تزال تقاوم العتمة.
انحيازي إليكِ ليس تحيزاً، بل اعتراف بحق امرأة أعطت الحياة من روحها الكثير، وحان الوقت لأن تعطيها الحياة بعض ما تستحق.
فأنتِ لستِ فقط امرأة صمدت في وجه الحرب...
أنتِ امرأة تستحق أن تنتصر لها الحياة.