بين خطابي القسم والاستقلال : تهافت وطن ومذبحة في الأفق

تابعنا على:   18:30 2025-11-29

د. حارث سليمان

أمد/ في مناسبة عيد الاستقلال، يُنتظر من الخطاب الرئاسي أن يكون منبراً للتوحيد، وبوصلة تُعيد المواطنين اللبنانيين إلى جوهر دولة المؤسسات والقانون. غير أن الخطاب الرئاسي هذا العام أثار إشكالية عميقة، فهو لم يقف عند حدود النقاش السياسي لأزمة وطنية ناتجة عن استعصاء حزب مسلح، بل غاص في منطق أكثر حساسية والتباس، حين ربط مصير طائفة لبنانية كاملة بمسار هذا الحزب وخياراته، معتبراً إياها "طائفة جريحة". هذه الصيغة، وإن كانت تحمل ظاهر التعاطف مع معاناة شريحة لبنانية اصيلة، فإنها تحتوي في طياتها على إشكاليات منهجية وسياسية جسيمة.
لنعد إلى الوراء قليلاً. يوم ألقى الرئيس جوزف عون خطاب القسم، كانت الحرب قد خمدت نيرانها، لكن الجراح كانت ما تزال مفتوحة تنزف دماً وقهراً، كان أبناء الجنوب والضاحية وبعلبك، ما يزالون يعانون من تداعيات الحرب والموت والتهجير والخراب العميم في بيوتهم وأرزاقهم. لكن خطاب القسم لم يتضمن تعبير "الطائفة الجريحة"، لان الدولة كانت جريحة، وجراح الدولة والوطن البليغة، هي ذاتها التي تسببت بجراح الناس ومآسيهم، وكانت السيادة اللبنانية مهيضة الجناح ومستلبة، ولهذا كان اعلان العهود باستعادة الدولة واسترداد السيادة بكل مضامينها؛ حصرية السلاح بيدها، امساك قرار الحرب والسلم من قبلها، ضبط المعابر بمختلف انواعها مطار ومرفأ وحدودا برية... كان الوعد بقيام الدولة كافيا اذا تم تنفيذه، لمداواة جراح الناس والتئامها، والى استرداد بيوت النازحين من قراهم واعمارها. وخلافا لكل وعد، بعد ان  بقيت الدولة معلقة، على مشجب المحاصصة وتقاسم مواقع السلطة، وتيبست الوعود على حبال الانتظار والتسويف، فتظهرت الجراح واستحضر تذكارها لا لمداواتها، بل لجعلها عذرا عن عجز، وذريعة تبرر فشلا، وحجة غياب عن واجب. 
طائفة رهينة ام جريحة:
الحقيقة التي يتم  التغافل عنها، والتي يعيشها يومياً آلاف اللبنانيين من أبناء الطائفة الشيعية نفسها، هي أنهم ليسوا "جرحى بالمعنى العميق، ولو كانوا ينزفون دما وقلقا واوجاعا وحزنا" بل هم "رهائن". هم رهائن منذ مدة طويلة غفلت خلالها دولتهم عن تحريرهم، فاصيب معظمهم ب " ستوكهولم ساندروم"، هم رهائن لمعادلة تخلط بين مصلحة الوطن في لبنان ومصلحة "المحور" في ايران، وتتاجر بدماء أبنائهم في معارك إقليمية تخاض خارج حدود لبنان وأمنه. والخطر الحقيقي ليس في فشل حزب في معركة عسكرية، بل في استمرار سياسة "الموت البطيء" والشلل والتعطيل للدولة والمؤسسات. 
ان التمييز بين الطائفة الجريحة والطائفة الرهينة ليس فارقا لغويا او اختلافا على تعبير ادبي، بل هو مفصل ومفترق لخيارات سياسية مختلفة، فالطائفة الجريحة تحتاج الى عناية ورعاية وطبابة وصبرا ووقتا لاستعادة قوتها، اما الرهينة فتحتاج الى تحرير ارادتها من خاطفيها، والى استعادة حريتها والعودة الى اهلها وشعبها.
بين الطائفة "الجريحة" والطائفة  "الرهينة" ثمة فارق في التوصيف اولا وفي الاجراء والمعالجة ثانيا وبالمسارات المتبعة ثالثا وبالنتائج المستهدفة رابعا؛  فعندما يُصوَّر جزء من الشعب على أنه "جريح" بسبب هزيمة واقعة على فصيل عسكري، فإن هذه الصيغة تُجيز منطقاً مفاده أن هزيمة الحزب هي هزيمة للطائفة. هذا الربط غير الدقيق هو بالضبط ما تروج له آلة الدعاية السياسية للممانعة، التي تريد تسييس الطائفة ومصادرتها وتحويلها إلى ورقة في صراع إقليمي.
 إن لملمة جراح أبناء الطائفة الشيعية واستعادة بيوتهم وقراهم وامان عائلاتهم لا تنجز الا باستعادة عافية الدولة اللبنانية وهيبتها ومصداقيتها، وليس باستعادة حزب الله لجهوزيته العسكرية وكفاءته القتالية، وبمهادنة اصراره على خياراته الاقليمية.
الواجب الأساسي هو بناء الدولة حسب الدستور، واستعادة وظائفها كافة في الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية والرسوم المالية وضبط انتقال الأفراد والأموال والبضائع عبر المعابر الدولية. هذا يتطلب احتكار العنف المشروع طبقاً للقانون، وإلزام كل الأطراف بقواعد اللعبة الديمقراطية، وحماية الملكية الفردية والحقوق والحريات العامة.
لا يستطيع أي مسؤول أن يكون شيخ صلح تجاه جهات تنتهك كيان الدولة وتستبيح مجالها وتحتل وظائفها. لذلك فإن تموضع الرئيس بين ما سماه "انكارين" كان أمرا يثير اسفا والتباسا. فمن جهة اولى ثمة حزب عناصره لبنانيون بأمرة إيرانية، أخذ شيعة لبنان إلى مقتلة متسلسلة ومستمرة، وحمل كل لبنان ما لا طاقة لشعبه على حمله، ومن جهة اخرى ثمة لبنانيون ايضا، من طوائف متعددة؛ شيعة وسنة ودروزا ومسيحيون، وقفوا ضد تورط لبنان في حرب كان يمكن تفاديها، ولم يكن لها اية فائدة تنتظر منها، لا لغزة ولا ل لبنان، مع ذلك احتضنوا اخوتهم في المواطنة ولملموا ارتالهم وحافظوا عليهم بكل احترام واخلاق. ولا يصح التوازي والتعادل بين الجهتين.
الخطاب أغفل حقيقة أساسية اخرى، وهي أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة ليس نزاعاً لبنانياً، ومع ذلك يُجبر لبنان على دفع فاتورته. إن تحويل الطائفة الشيعية إلى وقود في هذه المعركة هو إهدار لكرامتها واستقلال إرادتها.
إن أبناء الطائفة الشيعية، مثلهم مثل باقي اللبنانيين، هم الأكثر معاناة من غياب الدولة وانكفائها عن القيام بوظائفها، وهم اول من يدفع ثمن تدهور الاقتصاد وانهيار الخدمات العامة، وهم أول من يعانون من  عزلة لبنان الدولية والعربية و من العقوبات المالية التي تتفاقم بسبب سياسات لا يملكون قرارها.
لا ينكر ابناء الطائفة الشيعية جراحاتهم وشعورهم بالاحباط والخسارة، ولذلك يطلبون مساعدة الدولة اللبنانية كما يطالبون بمساعدة الدول العربية والغربية، لكن من يعتبر نفسه منتصرا، ويزعم انه اعاد بناء قوته، هو حزب الله وليس شيعة لبنان، والزعم هذا ليس تلبية لحاجات العائلات الشيعية الجريحة، بل لمتطلبات ايرانية تريد ان تحتفظ وتستقوي بورقة تفاوض اصبحت غالية ومكلفة على كل شيعي في لبنان.
 نعم، الجراح نازفة والآلام شديدة والتهجير قاس وظالم، والقلق على المصير والمستقبل يرتسم على الجباه متصلاً ومستمراً، كلما لاح في الافق زائر ايراني الى لبنان.
إيران تدفع بحزب الله إلى تقديم القرابين البشرية من شباب حزب الله الذي وصل عددهم بعد اتفاق الاذعان، الى ٤٠٠ شاب تقريبا، زوداً عن مصالحها وتحصينا لنفوذها، وتوهما منها بامكانية انجاز صفقة مع اميركا تحفظ نظامها وماء وجهها، ولذلك سمعنا المستشار علي أكبر ولايتي يقول : أن حزب الله هو بمثابة الماء والخبز بالنسبة للبنانيين، بينما ينشد الحزب فك العزلة الوطنية والعربية والدولية عنه!؟
لقد أصبت فخامة الرئيس، كبد الحقيقة، حين قلت لمسؤول ايراني، حسب ما نقل عنكم، إن حماية الشيعة في لبنان هي مسؤولية رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية وليس مسؤولية إيران، لكنها كانت نصف الحقيقة فقط، أما كامل الحقيقة، فهي أن هذه الحماية هي من مخاطر إسرائيل أولاً ومن مغامرات إيران ثانيا ومن عنتريات حزب الله ثالثاً.
الشيعة جرحى، لكن جراحهم تتعمق من نصلين: واحد إسرائيلي وآخر إيراني، ولا ينفع صد واحد وترك الآخر يغور في أعماق الأجساد. إن الاعتراف بمعاناة ابناء الطائفة الشيعية يجب أن يقترن بتحريرهم من استغلال مزدوج؛ من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي  والقرى في جنوب لبنان اولا ومن الهيمنة الإيرانية على القرارثانيا، وبفك عزلتهم اللبنانية والعربية ثالثا واعادة ادماجهم عبر الدولة اللبنانية في الفضاء الوطني اللبناني، وفي المجال والوجدان الشعبي العربي، بعد ان قولبتهم ايران وزجتهم داخل شرنقة معزولة من العداوات والكراهية.
لا نحاول في مقالتنا ممارسة ترف سياسي  لتقييم ماضي مضى، بل لدرء مخاطر قادمة وحرب قد تتجدد، بعد ان نجحت اسرائيل بتمهيد المسرح السياسي الدولي والاقليمي للقيام بعدوان واسع، ووضع لبنان في موقع المستنكف عن تنفيذ التزاماته والعاجز عن تطبيق قرارات حكومته، مستفيدة من صلافة ايران، وبهورات ما تبقى من حزب الله، ومن خيبة بدأت تعتري اصدقاء لبنان واشقاءه وتحيك لوطننا عزلة سياسية خطيرة.
ثمة مذبحة تتجمع وتلوح في الافق ومسؤولية الدولة تفادي حدوثها.
الاستقلال الحقيقي لا يعني فقط تحرير الأرض من الاحتلال، بل تحرير الإرادة من التبعية. الدولة اللبنانية هي الملاذ الحقيقي لكل لبناني، وهي القادرة وحدها على حماية مصالح جميع مواطنيها.
من الواضح ان صاغ خطاب القسم لا يمكن ان يكون هو ذاته من صاغ خطاب الاستقلال، وهو امر منطقي، الامر غير المنطقي الذي نخشاه، ان يكون  خطاب  الاستقلال صيغة اعتذار عن خطاب القسم.

عن الجنوبية

اخر الأخبار