حرب ترامب على العدالة الدولية تطال موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة
أمد/ واشنطن: وصلت رسائل تحمل علامة "سري" إلى بعض أقوى الشركات الأمريكية في ربيع عام 2025.
وحذرت الرسائل التي كتبتها فرانشيسكا ألبانيز مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 12 شركة أمريكية ومنظمتين خيريتين، من أن ألبانيز قد تدرج قريبا أسماءها في تقرير للأمم المتحدة "لمساهمتها في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة والضفة الغربية.
ومن بين هذه الشركات ألفابت وأمازون وكاتربيلر وشيفرون وهيوليت باكارد وآي.بي.إم ولوكهيد مارتن ومايكروسوفت وبالانتير.
وأظهر تحقيق أجرته رويترز حول الحملة الأمريكية ضد ألبانيز والمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أن رسائلها أثارت قلقا بالغا لدى الشركات الأمريكية لدرجة أن اثنتين منها على الأقل طلبتا المساعدة من البيت الأبيض. ورغم إصرار الأمم المتحدة على أنها تتمتع بحصانة دبلوماسية، فرضت إدارة الرئيس دونالد ترامب عقوبات على ألبانيز "لكتابة رسائل تهديد" إلى الشركات وحثت المحكمة الجنائية الدولية على فتح تحقيق.
وتستند نتائج تحقيق رويترز إلى مقابلات مع أكثر من 24 مسؤولا في الولايات المتحدة والأمم المتحدة وموظفين في المحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى أفراد يخضعون لعقوبات.
ووجدت رويترز أن إجراءات ترامب ضد ألبانيز كانت ضمن أمر تنفيذي أوسع نطاقا استخدمه لفرض عقوبات على قضاة ومدعين عامين في المحكمة، في حملة تهدف جزئيا إلى إحباط أي محاولات مستقبلية لمحاسبته أو محاسبة مسؤولين في إدارته على العمليات العسكرية الأمريكية في الخارج.
ويندرج حاليا اسم ألبانيز وموظفي المحكمة الخاضعين لعقوبات على قائمة عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية، التي تضم إرهابيين مشتبها بهم من تنظيم القاعدة وتجار مخدرات مكسيكيين وتجار أسلحة من كوريا الشمالية.
وقالت ألبانيز في مقابلة في مودينا في بلدها إيطاليا "هذا غير عادل وغير منصف ويعد اضطهادا... أنا أعاقب بسبب عملي في مجال حقوق الإنسان".
وقالت إدارة ترامب إنها فرضت عقوبات على موظفين في المحكمة الجنائية الدولية بسبب محاولاتهم "غير المشروعة والتي لا أساس لها" للتحقيق في جرائم تقول المحكمة إن قادة إسرائيليون ارتكبوها في غزة وجرائم مزعومة ارتكبها أفراد من الجيش الأمريكي في أفغانستان.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن ألبانيز شجعت المحكمة على التحقيق مع شركات أمريكية ومديرين تنفيذيين فيها بعد أن وجهت "اتهامات خطيرة ولا أساس لها" في رسائلها. وقالت الوزارة في بيان أعلنت فيه العقوبات "لن نتهاون مع هذه الحملات من الحرب السياسية
لكن رويترز وجدت انقسامات عميقة داخل الحكومة الأمريكية حول نطاق وتوقيت العقوبات ضد ألبانيز والمحكمة الجنائية الدولية. فقد وضعت خطة معاقبتهما في نوفمبر تشرين الثاني 2024، عندما أعيد انتخاب ترامب ووجهت المحكمة اتهامات إلى حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وفي الوقت الذي حث فيه بعض الدبلوماسيين الأمريكيين على ضبط النفس، ضغط مسؤولون كبار عينهم ترامب من أجل اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل عمل المحكمة الجنائية الدولية ومعاقبة ألبانيز.
وبالإضافة إلى ألبانيز، فرضت إدارة ترامب عقوبات على ثمانية قضاة وثلاثة مدعين عامين العام الماضي، في ضربة قوية للهيئات القضائية الدولية وهيئات حقوق الإنسان.
واستهداف المحكمة الجنائية الدولية وألبانيز هو جزء من نهج ترامب في السياسة الخارجية القائم على السعي لتحقيق أهدافه بأي وسيلة ضغط. ففي الشهور القليلة الماضية، اعتقل رئيس فنزويلا وسجنه في نيويورك، وهدد بمهاجمة إيران بسبب عمليات القمع التي أسفرت عن سقوط قتلى في احتجاجات شعبية، وأثار أزمة داخل حلف شمال الأطلسي بمحاولته إجبار الدنمرك العضو في الحلف على تسليم جرينلاند.
ويقدم صدام ترامب مع ألبانيز والمحكمة الجنائية صورة جلية للتداعيات المؤسسية والشخصية لهجومه المتصاعد على الهيئات الدولية. ولطالما استخدمت واشنطن العقوبات لمعاقبة الدول المارقة وردع منتهكي حقوق الإنسان. وقال ثمانية خبراء في العقوبات الأمريكية إن استهداف خبيرة مفوضة من الأمم المتحدة والعديد من موظفي المحكمة الجنائية الدولية، منهم ثمانية من قضاتها الذين يبلغ عددهم 18، يمثل تطورا خطيرا. فالأفراد والمؤسسات العالمية الذين كانوا في السابق يتلقون مجرد التوبيخ من الولايات المتحدة، يواجهون الآن محاولات لتعطيل عملهم أو تفكيك هذه المؤسسات إذا اعتُبروا تهديدا لترامب أو لمصالح الشركات الأمريكية.
وتعود معارضة ترامب للمنظمات الدولية إلى ولايته الأولى، عندما انسحب من اتفاقية باريس وهي معاهدة دولية بشأن المناخ، وخفض التمويل التقديري لبعض وكالات الأمم المتحدة. واليوم، تدين واشنطن بأكثر من 2.1 مليار دولار من الرسوم الإلزامية للأمم المتحدة، وحذر الأمين العام أنطونيو غوتيريش في رسالة بتاريخ 28 يناير كانون الثاني إلى الدول الأعضاء اطلعت عليها رويترز من أن المنظمة الدولية معرضة لخطر "انهيار مالي وشيك".
ويمضي ترامب الآن إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد أطلق مؤخرا ما يسمى بمجلس السلام الذي يهدف، تحت قيادته، إلى حل النزاعات العالمية، متجاوزا الدور التقليدي للأمم المتحدة باعتبارها الهيئة الدبلوماسية الرئيسية في العالم. وانضمت إلى المجلس 20 دولة على الأقل، ولا توجد بينها، باستثناء الولايات المتحدة، أي قوى غربية كبرى.
وكانت العواقب على ألبانيز وكبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية سريعة. أغلقت حساباتهم المصرفية وألغيت بطاقاتهم الائتمانية. وقالت ألبانيز لرويترز إنها اضطرت إلى استعارة بطاقات من أصدقائها حتى تتمكن من السفر. وبعد أن تلقت تهديدات، شددت الأمم المتحدة الإجراءات الأمنية لها ولعائلتها. لم يعد بوسع طفليها، البالغان من العمر 12 وتسع سنوات، التجول بحرية في الحي الذي تعيش فيه الأسرة في تونس. وقالت ألبانيز "لا يمكنهما الخروج من المنزل كما اعتادا واللعب".
وقالت مارجريت ساترثوايت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين إن العقوبات تمثل سابقة خطيرة. وأوضحت ساترثويت وهي أستاذة قانون بجامعة نيويورك "من المثير للصدمة أن ينظر إلى عمل شخص ما في مجال حقوق الإنسان على أنه خطير لدرجة أنه يعامل كإرهابي".
ورفض البيت الأبيض التعليق. ونقلت رويترز في ديسمبر كانون الأول عن مسؤول أمريكي كبير قوله إن ترامب كان قلقا من أن المحكمة الجنائية الدولية قد تسعى يوما ما إلى ملاحقته أو ملاحقة أعضاء كبار في إدارته. وقال المسؤول إن الإدارة ستلجأ لفرض عقوبات إضافية إذا لم تعدل المحكمة نظامها الأساسي بما ينص صراحة على حظر أي تحقيقات تستهدف ترامب أو كبار مساعديه.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية تومي بيجوت إن الولايات المتحدة ترفض "نموذجا عفا عليه الزمن من التعددية" ولن تشارك بعد الآن أو تمول المنظمات الدولية إذا رأت أنها تتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية. وأضاف أن العقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية تظهر أن الولايات المتحدة "لن تتهاون مع أي محاولات لانتهاك سيادتها أو إخضاع مواطنين أمريكيين أو إسرائيليين بشكل غير قانوني للولاية القضائية غير العادلة للمحكمة الجنائية الدولية".
ويمكن أن يؤدي هجوم ترامب على المحكمة إلى إضعاف إحدى الهيئات القليلة التي يمكنها محاسبة قادة نافذين، بمن فيهم أمريكيون. ويقول بعض المحامين والدبلوماسيين إن العملية الأمريكية في فنزويلا والهجمات القاتلة التي استهدفت مهربي مخدرات مزعومين في منطقة البحر الكاريبي قد تمثل انتهاكا للقانون الدولي. غير أن المتحدث باسم الخارجية بيجوت وصف تلك الإجراءات بأنها عملية قانونية "محددة الأهداف لتطبيق القانون".
وقالت نانسي كومبس، أستاذة القانون الدولي في كلية وليام آند ماري للحقوق بولاية فرجينيا "العقوبات الأمريكية ضد المحكمة الجنائية الدولية تمثل بوضوح محاولة لتقويض مؤسسة لطالما عارضتها إدارة ترامب... إنها جزء من رؤية إدارة ترامب الأوسع للعالم، والتي تقوم على أن الأمريكيين يستفيدون عندما لا يتقيدون بمجموعة من المعايير الدولية الضعيفة".
ونددت المحكمة الجنائية بالعقوبات الأمريكية وتعهدت "بمواصلة تقديم العدالة والأمل لملايين الضحايا الأبرياء للفظائع في جميع أنحاء العالم". وفي مذكرات التوقيف الصادرة في نوفمبر تشرين الثاني 2024، اتهمت المحكمة نتنياهو ووزير الجيش الإسرائيلي السابق يوآف غالانت بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استخدام ما وصفته "بالتجويع كوسيلة من وسائل الحرب". وأسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة عن مقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني منذ أن قتل مسلحو حركة حماس 1200 إسرائيلي في هجوم السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023.
ووصف نتنياهو مذكرات التوقيف بأنها "معادية للسامية" و"يوم أسود" للإنسانية، بينما قال غالانت إن محاولة إنكار حق إسرائيل في شن "حرب عادلة" ستبوء بالفشل.
وفي الوقت نفسه، أصدرت المحكمة الجنائية مذكرة توقيف بحق محمد الضيف قائد الجناح العسكري لحركة حماس بتهمة القتل والتعذيب والاغتصاب واحتجاز رهائن وجرائم أخرى. وأسقطت المحكمة المذكرة لاحقا بعد أن أكدت حماس مقتل الضيف في غارة جوية إسرائيلية في يوليو تموز 2024.
وفي ديسمبر كانون الأول، فرضت واشنطن عقوبات على قاضيين آخرين في المحكمة. وتواجه المحكمة مشاكل أخرى أيضا، فقد هزتها فضيحة تتعلق بالمدعي العام كريم خان، أول مسؤول في المحكمة تُفرض عليه عقوبات العام الماضي. وبدأ خان إجازة في مايو أيار الماضي وسط تحقيق تجريه الأمم المتحدة في مزاعم بسوء السلوك الجنسي، وهي اتهامات ينفيها خان.
وفي حديثه لرويترز من منزله في لاهاي، قال خان إن القضاة والمدعين العامين والمسؤولين الآخرين كانوا "أهدافا سهلة لدولة كبيرة تملك كل هذه القوة".
* حملة أمريكية
النهج العدائي الذي تتبناه إدارة ترامب تجاه المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة جزء من توجه أوسع للانسحاب من ملفات حقوق الإنسان عالميا سواء على صعيد الجهود الدبلوماسية أو المؤسسات. فقد قلصت الولايات المتحدة المساعدات الخارجية بشكل كبير، بما في ذلك المنح المقدمة للمدافعين عن حقوق الإنسان. كما انسحبت واشنطن من عشرات من هيئات الأمم المتحدة أو خفضت تمويلها لها بشكل حاد، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي.
تأسست المحكمة الجنائية الدولية في 2002 بموجب معاهدة دولية وتدعمها 125 دولة ليست منها الولايات المتحدة ولا الصين ولا إسرائيل. ورفضت الإدارات الأمريكية المختلفة من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي أن تكون للمحكمة سلطة محاسبة الولايات المتحدة أو أي من حلفائها.
وبدأت أولى خطوات ترامب ضد المحكمة في فبراير شباط 2025 عندما أصدر أمره التنفيذي الذي يجيز فرض عقوبات تستهدفها، بدءا من المدعي العام للمحكمة كريم خان. ووفقا لمقابلات مع ثمانية مسؤولين مطلعين، ناقش كبار مسؤولي وزارة الخارجية إلى أي مدى يمكن توسيع نطاق العقوبات المفروضة على المحكمة، وما إذا كان من الممكن فرض عقوبات على شخص لديه تفويض من الأمم المتحدة مثل ألبانيز.
ويختلف السياسيون والدبلوماسيون المعينون في إدارة ترامب في كثير من الأحيان بشأن الاستراتيجيات. وقال أحد الذين حضروا اجتماعا عقد في مارس آذار ومصدر آخر مطلع على ما دار في الاجتماع إن مسؤولين في الخارجية الأمريكية بحثوا فرض المزيد من العقوبات ذات الصلة بالمحكمة، إذ دعا بعضهم إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية وفرض عقوبات محدودة على موظفين من المستويات الأدنى لدفع المحكمة إلى إسقاط التحقيقات بشأن غزة وأفغانستان.
وقال المصدر الذي حضر الاجتماع إن ديفيد ميلستين المستشار الكبير للسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي اتهم المسؤولين بتعطيل تنفيذ أمر ترامب. وميلستين معارض للمحكمة الجنائية الدولية منذ فترة طويلة. وفي 2021، وصفها بأنها "مؤسسة سياسية فاسدة تعاني خللا عميقا" لأسباب منها "ملاحقتها لإسرائيل ظلما". وأضاف المصدر نفسه أن ميلستين حث الإدارة الأمريكية خلال الاجتماع على فرض عقوبات على المحكمة بأكملها بغض النظر عن أي ردود فعل سلبية قد تواجهها الولايات المتحدة من الحلفاء الأوروبيين. وعند التواصل معهما عبر وزارة الخارجية الأمريكية، أحجم ميلستين وهاكابي عن التعليق.
وبصفتها مقررة خاصة للأمم المتحدة، لم تكن ألبانيز على صلة بصورة رسمية بالمحكمة الجنائية الدولية. إلا أن عملها البارز بشأن غزة ودعمها للمحكمة جعلاها هدفا رئيسيا آخر لمسؤولي ترامب.
صارت ألبانيز، المعروفة بنظارتها السميكة ذات الإطار العريض، بمثابة أيقونة عالمية بالنسبة لكثير من الفلسطينيين ومناصريهم. وتوقفت مقابلتها مع رويترز في أحد مقاهي مودينا عدة مرات بسبب مارة حرصوا على معانقتها أو مصافحتها وشكرها على تسليط الضوء على المعاناة في غزة.
وقالت ألبانيز البالغة من العمر 48 عاما "تسببت العقوبات الأمريكية في حالة من التضامن ألمسها أينما ذهبت". وفي وقت لاحق، امتد طابور من الناس حول مبنى في مودينا كان من المقرر أن تلقي فيه كلمة.
وتحظى ألبانيز بإعجاب كثير من المدافعين عن حقوق الإنسان، بينما يكرهها مؤيدو إسرائيل. وانتقدها مسؤولون في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عام 2024 على خلفية ما وصفوها بأنها تصريحات معادية للسامية، وذلك بعد تعليقها على منشور على إكس يقارن صورة لأدولف هتلر مع مؤيديه في 1933 بصورة لنتنياهو وهو يتلقى الترحيب من مشرعين أمريكيين. وكتبت ألبانيز أسفل المنشور "هذا بالضبط ما كنت أفكر فيه اليوم".
وفي وقت لاحق، دافعت عن تعليقها، وكتبت على إكس "ذكرى المحرقة لا تزال مصونة ومقدسة" و"الغضب الأخلاقي الانتقائي" لن يوقف مسار العدالة. وقالت لرويترز "أسيء فهم تعليقي".
تم تعيين ألبانيز في 2022، وهي واحدة من أكثر من 80 خبيرا مستقلا في مجال حقوق الإنسان مكلفين من الأمم المتحدة بالتحقيق في قضايا مثل التعذيب وحرية التعبير أو بمراقبة دول بعينها. ويكون تعيينهم من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لمدة لا تقل عن ست سنوات. وهم يعملون بدون أجر ولا يمثلون حكومات بلدانهم، ومصدر دخل ألبانيز هو مؤلفاتها.
ورغم عدم وجود علاقة رسمية بين هؤلاء الخبراء والمحكمة الجنائية الدولية، قال ثلاثة خبراء سابقين وحاليين نالوا تفويضا من الأمم المتحدة إن بإمكانهم تقديم تقارير تقصي الحقائق إلى المحكمة والاجتماع مع مسؤوليها واستخدام نفوذهم في مؤسسات ومنتديات دولية أخرى. ويمنحهم وضعهم في الأمم المتحدة حصانة دبلوماسية، وهو أمر بالغ الأهمية لأداء عملهم الذي غالبا ما يجعلهم هدفا لشخصيات من أصحاب النفوذ.
وقالت أجنيس كالامار المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة المعنية بحالات القتل خارج نطاق القضاء والتي ترأس حاليا منظمة العفو الدولية "إذا ألغيت الحصانة الدبلوماسية، فإن ذلك يعني تقويض مبدأ أساسي يقوم عليه النظام الدولي".
وقال مصدران مطلعان إن الحصانة الدبلوماسية كانت قضية محورية في نقاشات داخلية لمسؤولين أمريكيين خلال بحثهم فرض عقوبات على ألبانيزي.
وفي الثاني من أبريل نيسان، كتبت دوروثي شيا القائمة بأعمال مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش للاستفسار عن الوضع الوظيفي الرسمي لألبانيز داخل المنظمة، وذلك وفقا لما ورد في رسالة لاحقة من شيا إلى غوتيريش. وامتنع ستيفان دوغاريك المتحدث باسم غوتيريش عن التعليق على رد الأمين العام. لكن دوغاريك قال في رسالة عبر البريد الإلكتروني إن الأمين العام أوضح للحكومة الأمريكية أن "ألبانيز، فيما يتعلق بمهامها كمقررة خاصة، تتمتع بوضع قانوني وحصانة".
ولم تطلع رويترز على مراسلات مكتوبة بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة، وقالت ألبانيز إنها لم تكن على علم بها. وامتنعت شيا عن التعليق.
وفي ذلك الوقت تقريبا، أرسلت ألبانيز رسائل تم تصنيفها على أنها "سرية" إلى الشركات الأمريكية والمنظمتين الخيريتين. وتشير نسخة من الرسائل التي اطلعت عليها رويترز إلى أنها حذرت من إمكانية إدراجها في تقرير تعتزم تقديمه إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة "للمساهمة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" من خلال دعمها غير المباشر للعملية العسكرية الإسرائيلية في غزة.
ومن بين هذه الشركات شركات أمريكية كبرى مثل لوكهيد مارتن وكاتربيلر وألفابت وأمازون وشيفرون ومايكروسوفت وآي.بي.إم وهيوليت باكارد وبالانتير. وقال متحدث باسم بالانتير إن الشركة قدمت لألبانيزي أدلة تثبت أن مزاعمها "لا أساس لها على الإطلاق"، إلا أنها "تجاهلتها تماما". وقالت ألبانيزي لرويترز إن بالانتير لم تطعن في أي من الحقائق الواردة في تقريرها خلال ردها عليها.
وامتنعت مايكروسوفت وهيوليت باكارد عن التعليق، بينما لم ترد الشركات الأخرى على طلبات التعقيب.
وفي بعض الرسائل، اتهمت ألبانيز هذه الشركات بالمساعدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وحثتها على قطع العلاقات مع إسرائيل وحذرت المسؤولين التنفيذيين من احتمال انتهاكهم للقانون الدولي.
وأفاد ثلاثة مسؤولين أمريكيين بأن شركتين أمريكيتين على الأقل من الشركات التي تلقت رسائل ألبانيز طلبتا المساعدة من إدارة ترامب. وقال أحد المسؤولين إن الشركتين اشتكتا من رسائل ألبانيز إلى المجلس الوطني للهيمنة في مجال الطاقة، وهو مكتب جديد استحدثه ترامب في البيت الأبيض لدعم وتطبيق سياسته في مجال الطاقة. ولم يتسن لرويترز تحديد هوية الشركتين. ولم يرد المجلس على طلب للتعليق تم تقديمه عبر البيت الأبيض.
وفي 20 يونيو حزيران، كتبت شيا لجوتيريش مجددا، قائلة إن واشنطن اطلعت على مسودة تقرير ألبانيز وإنها "مليئة بالخطاب التحريضي وبالاتهامات الباطلة". وكتبت السفيرة الأمريكية أن ألبانيز ارتكبت "أخطاء قانونية جوهرية" وشككت في أحقيتها في "أي امتيازات أو حصانات مزعومة" تتمتع بها بصفتها خبيرة في الأمم المتحدة.
لكن الأمم المتحدة رفضت ذلك. وقال دوغاريك لرويترز "موقف الأمم المتحدة الذي تم إبلاغه مباشرة لوزارة الخارجية الأمريكية والذي تم الإعلان عنه مرارا هو أن السيدة ألبانيز، فيما يتعلق بمهامها كمقررة خاصة، تتمتع بوضع قانوني وحصانة بصفتها خبيرة مكلفة بمهمة للأمم المتحدة".
وقالت ألبانيز لرويترز "من الواضح أن حصانتي الدبلوماسية لم تُحترم... المسؤولية عن ذلك لا تقع على عاتق الأمم المتحدة، بل على عاتق الدول الأعضاء لتقاعسها عن اتخاذ إجراءات حاسمة، لا سيما بلدي إيطاليا التي التزمت الصمت التام حيال هذه المسألة".
وقال بيجوت المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن المراسلات الأمريكية مع الأمم المتحدة "تطرقت إلى مطالبات بإقالة السيدة ألبانيز من مهمتها"، ولم تتناول مسألة تمتعها بالحصانة الدبلوماسية.
ولم ترد الحكومة الإيطالية على طلب للتعليق.
وفي الأول من يوليو تموز، نشرت الأمم المتحدة تقرير ألبانيز الذي اتهمت فيه شركات أمريكية كبرى بالتواطؤ فيما وصفتها بأنها "حملة إبادة جماعية إسرائيلية مستمرة في غزة". وقالت إن من بين الجرائم والانتهاكات التي ساهمت هذه الشركات في ارتكابها في الأراضي الفلسطينية المحتلة الإبادة الجماعية والتهجير القسري والتجويع. وكتبت أن الشركات ومسؤوليها التنفيذيين قد يحاسبون جنائيا، بما في ذلك أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وردا على ذلك، حثت واشنطن غوتيريش علنا على إقالة ألبانيز وحذرت من أن عدم فعل ذلك سيستدعي "إجراءات حاسمة" من جانب واشنطن. وبعد ثمانية أيام، وفي التاسع من يوليو تموز، فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها، مستندة إلى الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب ضد المحكمة الجنائية الدولية.
* غضب شديد
تم تطبيق العقوبات على ألبانيز بأثر فوري. فبعد أيام قليلة من فرضها شاهدها مراسل لرويترز في العاصمة البوسنية سراييفو محاطة بحارسين شخصيين. ورغم غياب الحارسين في مودينا، قالت ألبانيز إنها تلقت "بعض التهديدات الجسدية" منذ فرض العقوبات عليها، مما أدى إلى تشديد إجراءات تأمينها. ورفضت الكشف عن تفاصيل التهديدات.
وتعيش هي وزوجها الإيطالي ماسيميليانو كالي، وهو خبير اقتصادي في البنك الدولي، في تونس منذ أكثر من أربع سنوات. وكان قد أمضيا ثلاث سنوات في واشنطن العاصمة حيث كان كالي يعمل في البنك هناك. وأحجم كالي والبنك الدولي عن التعقيب.
وحرمت العقوبات الأمريكية ألبانيز من خدمات مالية أساسية يعتبرها معظم الناس أمرا مفروغا منه. وقالت إن حسابها المصرفي في الولايات المتحدة مغلق حاليا، وإن العقوبات منعتها من فتح حساب في بلد آخر، بما في ذلك إيطاليا. وتم تجميد أصولها في الولايات المتحدة، والتي تشمل شقة في واشنطن قيمتها 700 ألف دولار تقريبا تملكها هي وزوجها. وبموجب القانون الأمريكي، لا يمكن بيع أو تأجير العقار في هذه الحالة.
والعقوبات الأمريكية أداة فعالة للغاية، فلا تقتصر على تجميد الأصول في الولايات المتحدة فحسب، وإنما تمنع المستهدفين فعليا من استخدام النظام المالي الأمريكي، وهو شبكة عالمية يمكنها عرقلة الوصول إلى الخدمات المصرفية في معظم دول العالم. ويواجه الأمريكيون والشركات والأجانب المقيمون بشكل قانوني في الولايات المتحدة غرامات باهظة أو أحكاما بالسجن إذا قاموا بتمويل أو مساعدة أي أفراد خاضعين لعقوبات. ويمكن منع البنوك الأوروبية من التعامل بالدولار أو استبعادها من أنظمة الدفع الدولية، ما قد يوجه ضربة قاصمة لأعمالها.
وقالت ألبانيز لرويترز إنها "تلقت عروضا لفتح حسابات مصرفية في ما يسمى بالملاذات المالية أو الضريبية"، لكنها رفضت وقالت إن ذلك يتعارض مع مبادئها الأخلاقية ولن يحل "مشكلة عدم شرعية العقوبات الأمريكية المفروضة عليّ".
وخلال احتفال بعيد الأنوار (حانوكا) استضافته البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة في ديسمبر كانون الأول، لم يبد السفير الأمريكي مايك والتس أي تعاطف يذكر مع ألبانيز، وفقا لمقطع فيديو للاحتفال شاهدته رويترز.
وقال "أنا سعيد لأنها لا تستطيع الحصول على بطاقة ائتمان أو تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة... نتخذ إجراءات حقيقية لفرض عواقب على أولئك الذين يواصلون أفعالهم المعادية للسامية". ورفض المتحدث باسم والتس الإدلاء بمزيد من التعليقات.
ووزارة الخزانة الأمريكية هي التي تنفذ العقوبات، لكنها تستثني الحالات الطبية وحالات الطوارئ الأخرى. ووافقت الوزارة في ديسمبر كانون الأول على طلب من جمعية دراسات الشرق الأوسط في أريزونا بأن تحضر ألبانيز مؤتمرا عبر الإنترنت. وقال جورج وانج محامي الجمعية إن ألبانيز طلبت موافقة الحكومة الأمريكية خوفا من أن يكون ذلك انتهاكا للعقوبات. وقال متحدث باسم وزارة الخزانة إن الوزارة لا تعلق على الحالات الفردية.
* "عازمون على المضي قدما"
بعد ستة أسابيع من فرض العقوبات على ألبانيز، استهدفت الولايات المتحدة في 20 أغسطس آب موظفين آخرين في المحكمة الجنائية الدولية، هم قاضيان أحدهما الكندية كيمبرلي بروست، واثنان من المدعين العامين.
وقالت وزارة الخارجية إنه تم فرض عقوبات على بروست لأنها "أصدرت حكما يجيز للمحكمة الجنائية الدولية التحقيق في تصرفات أفراد من الجيش الأمريكي في أفغانستان"، وهو قرار اتخذته في عام 2020. لكن المحكمة قالت في العام التالي إنها ستركز على الجرائم التي يتردد أن طالبان وتنظيم الدولة الإسلامية ارتكباها وإنها ستعطي "أولوية أقل لجوانب أخرى" من التحقيق والتي تشمل اتهامات للقوات الأمريكية بالتعذيب. وتقول بروست إنه "لا يوجد حاليا أي تحقيق جار على حد علمي" بشأن تصرفات الولايات المتحدة في أفغانستان.
وأردفت تقول لرويترز "فوجئت إلى حد ما بفرض عقوبات عليّ بسبب شيء فعلته قبل خمس سنوات... خاصة وأن الهدف من العقوبات ليس العقاب، وإنما تغيير سلوكك وردعك. وبالطبع، لا ينطبق أي من ذلك عليّ"، لأن التحقيق مع القوات الأمريكية متوقف.
وأضافت أنه بعد مسيرة طويلة قضتها في مجال العدالة الجنائية كان إدراج اسمها على قائمة المتورطين في الإرهاب وجرائم خطيرة أخرى "أمرا صعبا جدا من الناحية النفسية".
وتواجه المحكمة صعوبات بالغة في تسيير عملها. وقالت أوليكساندرا ماتفييتشوك رئيسة مركز الحريات المدنية في أوكرانيا، وهو منظمة غير ربحية فازت بجائزة نوبل للسلام لتوثيقها انتهاكات حقوق الإنسان، إن العقوبات تشكل "مشكلة عويصة" للتحقيقات التي تجريها المحكمة الجنائية الدولية في الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
وذكرت أن المحكمة تنظر في قضايا ترحيل روسيا لأطفال أوكرانيين وهجماتها على البنية التحتية المدنية، لكن "قدرات المحكمة المحدودة" بسبب العقوبات الأمريكية أخرت ما كانت تتوقع أن يكون مسارا جديدا من التحقيقات في مزاعم إساءة معاملة الأوكرانيين في السجون التي تديرها روسيا.
وفي سبتمبر أيلول، تم استخدام أمر ترامب بشأن المحكمة من جديد، وهذه المرة لفرض عقوبات على ثلاث منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان كانت تزود المحكمة بأدلة على مزاعم انتهاكات إسرائيلية.
وذكر شعوان جبارين مدير مؤسسة الحق، إحدى هذه المنظمات، أن الإجراءات أوقفت دفع رواتب 45 موظفا، كما أجبرت المؤسسة على الاستغناء عن كاثرين جالاجر محاميتها الأمريكية والمدعية السابقة في جرائم الحرب.
ولا تزال ألبانيز تجاهر بمواقفها في أحاديثها، وقالت أمام حشد في حفل "معا من أجل فلسطين" الموسيقي لجمع التبرعات والذي حضره عدد من النجوم في لندن في سبتمبر أيلول "فلسطين ستكون حرة... الاستسلام ليس خيارا، ليس لدينا هذا الترف".
وهي لا تزال في منصبها. وألقت كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك عن بعد من جنوب أفريقيا في أكتوبر تشرين الأول بعد منعها من دخول الولايات المتحدة.
وقالت لرويترز "لن أتوقف عما أفعله... مستحيل".
