نحو أنطولوجيا أنثوية جديدة للاحتراق في قصيدة الشاعرة التونسية القديرة أ-سعيدة الفرشيشي" حلم الفراشة اللعوب"
محمد المحسن
أمد/ في هذه القصيدة الشجية،ترسم الشاعرة التونسية المبدعة الأستاذة سعيدة طاهر الفرشيشي لوحة وجودية آسرة تتخذ من "الفراشة اللعوب"رمزا لها. تبدأ القصيدة باعتراف ذاتي شفاف: "مازلت مثل ما نعتني (الفراشة اللعوب)"، لتأخذنا في رحلة بين أحلام الفراشة التي تتنقل بين ألف زهرة وتستحم بالندى،قبل أن تنقلب المعادلة رأسا على عقب.
هنا،لا تكون الفراشة ضحية تحترق في ضوء الآخر،بل تصبح هي مَن يحرق ويختار ضحاياه من الرجال،وفي وصية أخيرة تطلب فيها دفن "قائمة الذين أحرقتهم" معها.ثم تتحول القصيدة إلى مخاطبة الحبيب بوصفه "آخر الرجال" و"آخر الضحايا"،معلنة عشقا فريدا يتخذ من الفناء في الآخر سبيلا للخلود: "إني عشقتك كي أنا أفنى بعمرك / ما تبقى من بقايا".
إنها قصيدة تمزج بين رقة الفراشة وجرأة الاحتراق،بين الأنثى التي تبحث عن ذاتها والنّد الذي يصنع أسطورته الخاصة.!
حلم الفراشة اللعوب
مازلت مثل ما نعتني ( الفراشة اللعوب )
من مطلع الشمس الى الغروب
ٱحط فوق ألف زهرة وزهره
لٱستحم بالنًدى الشفيف قطرة فقطره
ٱستلذ التيه في لفائف الطيوب
ذا حلمي الًذي اريد ان اعيش في الحقيقه
بكل ما اوتيت من مشاعر عميقة
فراشة وعمري القصير للزوال
وقبل ان ٱموت في احتراقي ...
ٱوصيكم رفاقي....
ان تدفنوا معي قائمة الذين
قد ٱحرقتهم من الرجال ...
.....
يا آخر الرجال يا آخر الضًحايا
يا من عرفت الف امرٱة سوايا
يا من اعدت النور في عيني حتى الآن
قد ٱصبحتا مرايا
اني عشقتك كي ٱنا ٱفنى بعمرك
ما تبقًى من بقايا
ٱبقى فراشتك اللَعوب
ولست يوما لائمة
ابقى فراشتك اللًعوب
وبإحتراقي حالمة
إنًي فراشتك اللًعوب
ولست يوما نادمه
إنًي فراشتك اللًعوب
وحول روضك حائمة
حلمي بٱن ٱهديك حتًى
إن ٱنا ٱفنى هنا
حلم الحياة القادمة
سعيدة طاهر الفرشيشي
في زمن تتصارع فيه الكلمات على عروش المعاني،تأتي الشاعرة التونسية الفذة الأستاذة سعيدة الفرشيشي لتكتب حضورها الاستثنائي بحبر مختلف..حبرٍ يمزج بين رقة الفراشة وجرأة الاحتراق،بين الأنثى التي تبحث عن ذاتها والنّد الذي يصنع أسطورته الخاصة.
ولا أرمي الورود جزافا إذا قلت أنها شاعرة تونسية وعربية استثنائية،استطاعت أن تؤثث المشهد الثقافي بحضورها الفاخر،وبصوتٍ لا يشبه إلا نفسه،فنصوصها الإبداعية الرائدة ليست مجرد كلمات،بل هي لوحات تعبيرية عن مأساة المرأة التي تتحول من كائن يحترق إلى كائن يضيء،من ضحيةٍ للغرام إلى سيدةٍ للقدر.
الفراشة في شعر سعيدة الفرشيشي ليست كائنا عابرا،بل هي أيقونة وجودية،هي الحلم الذي يصطدم بالواقع،هي الكائن الذي يختار الاحتراق عن وعي وإرادة،ليترك خلفه وصية شعرية تهز كيان المتلقي.
-القصيدة: احتراق على مذبح الحب
"مازلت مثل ما نعتني (الفراشة اللعوب)"..بهذا التقديم الذاتي تبدأ الشاعرة رحلتها الشعرية، مقدمة نفسها كمخلوق شفاف يعيش على هامش الحياة،يتنقل بين ألف زهرة وزهرة،يستحم بقطرات الندى،يتيه في "لفائف الطيوب".
هذا العالم الوردي الحالم يتحول فجأة إلى مأساة وجودية حين تكتشف الفراشة أن عمرها "قصير للزوال"،فتوصي رفاقها بأن يدفنوا معها "قائمة الذين أحرقتهم من الرجال".
هنا يكمن قلب القصيدة النابض بالدهشة: تحول الأدوار..! فالفراشة التي نعرفها تحترق بالضوء،لكن فراشة الأستاذة سعيدة الفرشيشي هي التي تحرق،وهي التي تنتقي ضحاياها.إنها ثورة أنثوية على الموروث،حيث تصبح الأنثى هي الفاعلة لا المفعول بها،وهي القادرة على الإحراق لا المحترقة وحدها.!
تنتقل القصيدة إلى مخاطبة الحبيب: "يا آخر الرجال يا آخر الضحايا / يا من عرفت ألف امرأة سوايا".هذا الحبيب الذي عرف نساء كثيرات يصبح فجأةً "آخر الرجال" و"آخر الضحايا"، إنه المنتقى من بين الألف ليكون هو السند والنور: "يا من أعدت النور في عيني حتى الآن / أصبحتا مرايا".
ثم تبلغ الذروة حين تعلن الشاعرة: "إني عشقتك كي أنا أفنى بعمرك / ما تبقى من بقايا".
إنه عشق مقدر له الفناء،لكنه فناء مختار،فناء في الآخر كي يبقى الآخر.وتكرر الشاعرة عبارة "أبقى فراشتك اللعوب" كقسم شعري،تارة وهي "لست لائمة"،وتارة وهي "باحتراقي حالمة"،وتارة وهي "لست نادمة"، وتارة وهي "حول روضك حائمة".
إنها لعبة الاحتراق الطوعي،لعبة من تختار أن تحترق لكنها تحترق بوعي من يملك زمام القرار. إنها الأنثى التي تعلن للعالم: "نعم،أنا فراشتك اللعوب،نعم أحترق فيك،لكني لست نادمة،ولست لائمة،بل أنا الحالمة باحتراقي،وأنا الحائمة حول روضك حتى الفناء".
ما تقدمه الأستاذة سعيدة الفرشيشي في هذه القصيدة ليس مجرد نص شعري،بل هو بيان وجودي لامرأة تونسية وعربية استثنائية، استطاعت أن تحول الفراشة من رمزٍ للضعف والهشاشة إلى رمزٍ للقوة والاختيار.
إن حضورها في المشهد الثقافي التونسي والعربي ليس مجرد إضافة،بل هو زخم إبداعيٌ يثري الساحة بأسئلته الجريئة،وصوره المبتكرة،ولغته الشعرية العالية.
سعيدة الفرشيشي شاعرة تمشي على حبل الكلمات بثقة نادرة،وتجعل من الأنثى كائنا يختار احتراقه،ويرسم وصيته،ويقرر من يُدفن معه.إنها صوت شعري تونسيٌ أصيل يمتد ليكون عربيا بامتياز،ليس لأنه يكتب بالعربية فقط،بل لأنه يلامس قضايا المرأة العربية في صميم وجودها، معيدا تعريف العلاقة بين الفراشة والنار،بين الحب والفناء،بين الأنثى والحلم.
"حلمي بأن أهديك حتى إن أنا أفنى هنا / حلم الحياة القادمة"... هكذا تختم الشاعرة قصيدتها، تاركة لنا حلمها كوصية شعرية،وحياة قادمة تبدأ من رماد فراشة لعوب اختارت أن تحترق...لكنها احترقت كي تضيء.
على سبيل الخاتمة :
احتراق الفراشة..شهادة وجود لا مجرد انطفاء:
في هذا النص الشعري المتفرد،لا تقف الأستاذة سعيدة الفرشيشي عند حدود الكتابة الأنثوية التقليدية،ولا تكتفي بتسجيل شهادة على جراح المرأة في علاقتها بالرجل،بل تتجاوز كل ذلك نحو تأسيس "أنطولوجيا جديدة للاحتراق". فالفراشة هنا لم تعد ضحية للنار،بل صارت هي من يوقد النار ويختار ضحاياها،قبل أن تختار احتراقها الأخير.
ما يميز تجربة سعيدة الفرشيشي،وهذا النص خير دليل،هو قدرتها الفائقة على تحويل المأساة الأنثوية إلى ملحمة وجودية.إنها تنتشل الفراشة من هشاشتها التقليدية،فتخلع عنها ثوب الضعف، وتكسوها عباءة الاختيار والوعي والقرار.
في عالمها الشعري،تصبح الأنثى هي التي توزع الأدوار: من يحترق،ومن يبقى،ومن يُدفن معها في الوصية الأخيرة.
الانزياح الأكبر في هذا النص يكمن في تحول مركز الثقل من "الاحتراق بالآخر" إلى "الاحتراق لأجل الآخر"،ومن الفناء السلبي إلى الفناء المختار بوعي.فعندما تقول: "إني عشقتك كي أنا أفنى بعمرك / ما تبقى من بقايا"،فإنها تعلن عن فلسفة وجودية جديدة في العلاقة مع الرجل،حيث يصبح الفناء في الآخر هو ذروة البقاء،والاحتراق في العشق هو أشكال الخلود الممكنة.
الشاعرة السامقة أ-سعيدة الفرشيشي شاعرة تمتلك وعيا حادا بجدلية الرماد والضوء،وبأن الاحتراق الحقيقي ليس نهاية،بل هو بداية لحياة أخرى: "حلم الحياة القادمة". إنها تذكرنا بأن أجمل ما في الفراشات أنها لا تموت بصمت،بل تضيء لحظة احتراقها،فتخلد في الذاكرة ما لا يخلده عابرون.
وفي زمن الشعر السهل،تأتي هذه القصيدة كاستثناء لا يشبه إلا صاحبته،تؤكد أن المرأة التونسية والعربية قادرة على كتابة وجودها بحروف من نار ونور معا.فتحية لهذا الصوت الشعري الفاخر،الذي جعل من "الفراشة اللعوب" أيقونة وجودية لا تُنسى،ومن الاحتراق شهادة ميلاد دائمة التجدد.
على سبيل الخاتمة:
هكذا تُبدع الشاعرة التونسية السامقة أ-سعيدة الفرشيشي،فترسم بحروفها القلقة فراشة استثنائية،لا تحترق لتنطفئ،بل لتضيء وتخلد.وفي زمن بات فيه الشعر سهلا ممتنعا،تأتي هي لتذكرنا بأن الكلمة حين تخرج من رحم المعاناة الواعية،تتحول إلى أيقونة لا تشيخ.إنها الأنثى التي حوّلت الاحتراق من لعنة إلى خلاص، ومن نهاية إلى بداية.هكذا تكون الكتابة حين تصير وجودا،وهكذا تكون الفراشة حين تختار أن تضيء وهي تحترق.
