اعلان بروكسيل انتصار لمظلومية غزة

تابعنا على:   17:00 2026-04-25

محمد مصطفى شاهين

أمد/ في بروكسل حيث تلتقي الإرادات قبل أن تتصادم المصالح وحيث يختبر ضمير العالم في أروقة لا تعرف الرحمة إلا بقدر ما تمليه موازين القوة هناك في الثاني والعشرين من أبريل من هذا العام 2026 عقدت حلقة جديدة من أقدم فصول المأساة الفلسطينية لا كما تعودنا أن نراها في مشاهد الدمار والركام فحسب بل في صورة منصة سياسية وقانونية تحاول انتزاع غزة من دائرة التعاطف الأخلاقي إلى مربع الالتزام الدولي الملزم.

إنه المؤتمر البرلماني العالمي للصمود أو ما بات يعرف بمؤتمر بروكسل وهو تجمع لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الأوسع إنه يأتي في لحظة تتقاطع فيها خطوط الفعل الشعبي مع خطوط الفعل السياسي ففي البحر الأبيض المتوسط تشق سفن أسطول الصمود العالمي طريقها نحو القطاع المحاصر في تحد صارخ للحصار البحري الظالم وعلى اليابسة وتحديدا في عاصمة القرار الأوروبي يجتمع برلمانيون من عشرات الدول ومسؤولون أمميون كبار وخبراء في القانون الدولي ليطرحوا السؤال الأصعب هل ما زال للنظام العالمي القائم على القواعد معنى إذا ظل عاجزا عن فتح ممر بحري إنساني إلى غزة.

إن ما يمنح مؤتمر بروكسل وزنه النوعي ليس كونه مجرد مهرجان خطابي للتضامن فتاريخ القضية الفلسطينية حافل بالمؤتمرات والبيانات الختامية التي أكل عليها الدهر وشرب الوزن الحقيقي هنا ينبع من ثلاثة عناصر رئيسية أولها الطابع الدولي الرفيع والملف القانوني المتخصص وثانيها التزامن العضوي مع حراك الأسطول في عرض البحر وثالثها جدول الأعمال الذي يركز على آليات التنفيذ والمساءلة لا على الشجب والإدانة.

في قلب هذا الحدث تجد أسماء من العيار الثقيل في القانون الدولي وحقوق الإنسان إنها المرة الأولى التي تجتمع فيها كوكبة من المقررين الخاصين للأمم المتحدة في إطار واحد كهذا فمن فرانشيسكا ألبانيزي المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى مايكل فخري المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء وبيدرو أروخو أغودو المقرر الخاص المعني بالحق في مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي وسوريا ديفا المقرر الخاص المعني بالحق في التنمية هؤلاء ليسوا مجرد موظفين أمميين بل هم شهود خبرة على الجريمة المنظمة التي ترتكب بحق أهلنا في غزة وجودهم هنا يعني أن الملف لم يعد خاضعا للمساومات السياسية في مجلس الأمن بل انتقل إلى لغة القانون الجاف الذي لا يعرف المواربة.

وإلى جانب هؤلاء تبرز وجوه سياسية تحمل رمزية خاصة في الغرب جيريمي كوربن الزعيم العمالي البريطاني السابق الذي دفع ثمن موقفه الأخلاقي من قضيته موقعه في قلب المؤسسة السياسية البريطانية وريما حسن النائبة الفرنسية الفلسطينية في البرلمان الأوروبي التي تخوض معركتها الخاصة في مواجهة آلة القمع القانوني الفرنسي والمنصف المرزوقي الرئيس التونسي السابق الذي يمثل صوتا عربيا لا يهادن في التطبيع وسيرا ريغو وزيرة الشباب والطفولة في إسبانيا هذه الوجوه لا تلتقي على أرضية أيديولوجية واحدة بل تجمعها فكرة مركزية واحدة مفادها أن ما يجري في غزة ليس أزمة إغاثة عابرة بل اختبار حاسم للنظام الدولي برمته.

وقد صيغت هذه الفكرة بعناية فائقة في أجندة المؤتمر فالمسألة لا تتعلق بجمع تبرعات أو إرسال طرود غذائية بل تتعلق بمحاولة تأسيس ممر بحري إنساني إلى غزة يحظى بغطاء أممي ودولي إنها محاولة لانتزاع ممر مائي آمن من تحت سطوة الاحتلال استنادا إلى مرجعيات قانونية صلبة تشمل القانون الدولي الإنساني وقانون البحار ودليل سان ريمو بشأن النزاعات المسلحة في البحر وهذا هو مربط الفرس فلو نجح المجتمعون في تحويل إعلان بروكسل إلى وثيقة ضاغطة على الحكومات الأوروبية فإنهم بذلك يفرضون على تلك الحكومات أن تختار بين التزامها المعلن بالقانون الدولي وبين تواطئها الضمني مع سياسة التجويع والعقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال

لكن الحكمة السياسية تقتضي عدم تحميل مؤتمر بروكسل ما لا طاقة له به إنه ليس حدثا سحريا سيكسر الحصار فورا بمجرد انعقاده كما أنه ليس بديلا عن صمود أهل غزة الأسطوري على الأرض إنه في تقديري محطة مفصلية في مسار تراكمي لبناء شبكة ضغط دولية مستدامة إنه أشبه بحجر يوضع في بناء طويل ومعقد قيمته لا تكمن في ذاته بل في قدرته على حمل ما سيأتي بعده من أحجار إن الهدف الحقيقي هو خلق حالة من الإحراج القانوني والأخلاقي للمجتمع الدولي بحيث يصبح السكوت على الحصار مسألة مكلفة سياسيا وقانونيا لمن يمارسه

أما عن حقيقة الوضع في غزة الذي يمثل خلفية هذا المؤتمر فالأرقام التي تتسرب من تقارير الأمم المتحدة ترسم صورة قاتمة تتجاوز حدود الوصف أكثر من ثمانية عشر ألفا وخمسمائة مدني في غزة يحتاجون إلى رعاية طبية متخصصة عاجلة خارج القطاع والحصار الخانق يمنع خروجهم مئات الآلاف من الأطفال يعانون من سوء التغذية الحاد في الوقت الذي لا تتجاوز فيه نسبة المساعدات التي تدخل القطاع سبعة وثلاثين في المائة مما هو مقرر وفق اتفاقيات وقف إطلاق النار ومع ذلك يتفوه مسؤولون كبار في الإدارة الأمريكية بأكاذيب مضللة مفادها أن المساعدات التي تدخل القطاع هي الأعلى منذ سنوات في هذا السياق المأساوي يصبح مؤتمر بروكسل ليس مجرد ترف سياسي بل ضرورة وجودية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح الأبرياء

ويزداد المشهد تعقيدا حين نربط ما يجري في أروقة بروكسل بما يجري في عرض البحر الأبيض المتوسط فأسطول الصمود العالمي الذي يضم نحو أربعين قاربا ويحمل على متنه قرابة الألف متطوع يتحرك في مواجهة تهديدات مباشرة إنها ليست المرة الأولى التي تحاول فيها قوافل بحرية مدنية الوصول إلى غزة في أكتوبر من عام 2025 هاجمت إسرائيل أسطولا مماثلا في المياه الدولية واعتقلت مئات الناشطين بينهم الناشطة السويدية الشهيرة غريتا ثونبرغ واليوم بينما تبحر السفن نحو صقلية في طريقها إلى غزة يجتمع البرلمانيون في بروكسل ليمنحوها غطاء سياسيا وقانونيا هناك تكامل واضح ومقصود بين الفعل الشعبي في البحر والفعل السياسي على اليابسة إنها رسالة تقول إن التضامن لم يعد مجرد صرخة في وجه الريح بل تحول إلى استراتيجية متعددة المستويات

غير أن المؤتمر لا يخلو من تحديات جسام فقاعات الدعم الأوروبي للقضية الفلسطينية غالبا ما تصطدم بسقف المصالح الاستراتيجية للغرب مع إسرائيل كم من مرة رأينا برلمانات أوروبية تصدر توصيات شجاعة ثم تدفن في أدراج المفوضية الأوروبية تحت ضغوط واشنطن وتل أبيب الخطر الحقيقي الذي يتهدد مؤتمر بروكسل هو أن يتحول إعلان بروكسل إلى مجرد بيان آخر يضاف إلى ركام البيانات التي لم تغير واقعا على الأرض

لكن هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الأمور قد تكون مختلفة هذه المرة أول هذه المؤشرات هو تنوع الحضور وعدم اقتصاره على الفاعلين التقليديين فوجود برلمانيين من ماليزيا وصربيا وتركيا والجزائر وسويسرا إلى جانب شخصيات أوروبية وازنة يمنح المؤتمر بعدا عالميا يتجاوز ثنائية الشرق والغرب والمؤشر الثاني هو التوجه العملي نحو بناء شبكة صمود عالمية دائمة وهي فكرة تهدف إلى استدامة الضغط وعدم تركه يتبخر بمجرد انتهاء المؤتمر أما المؤشر الثالث فهو التركيز على أربعة محاور أساسية للتدخل السياسي إنهاء نقل الأسلحة والتعاون الأمني مع النظام الإسرائيلي وتعزيز آليات المساءلة البرلمانية وإرساء إطار دولي دائم للوصول الإنساني بحرا وبناء شبكة برلمانية فعّالة للعمل السياسي المستدام

والواقع أن هذا المؤتمر يطرح أسئلة وجودية تتجاوز حدود غزة والجغرافيا الفلسطينية إنه يطرح السؤال الأكبر هل ما زال القانون الدولي قائما كمرجعية حاكمة للعلاقات بين الدول أم أنه تحول إلى أداة بيد الأقوياء يسخرونها كيفما شاءوا ومتى شاءوا إن ما يحدث في غزة لو سمح به العالم في أي مكان آخر لكان نذيرا بانهيار المنظومة القانونية الدولية بأكملها إن السماح بموت الناس جوعا وعطشا ومرضا تحت أنظار العالم ليس مجرد جريمة في حق الفلسطينيين بل هو اغتيال لفكرة القانون الدولي ذاتها

لهذا كله فإن مؤتمر بروكسل يمثل فرصة نادرة لإعادة تعريف التضامن ليس بوصفه عاطفة عابرة أو منحة كريمة بل بوصفه واجبا قانونيا وأخلاقيا يقع على عاتق كل الدول الموقعة على اتفاقيات جنيف إنه محاولة جادة لتحويل المبادئ المجردة إلى آليات تنفيذية تحمي المدنيين وتؤمن تدفق الغذاء والدواء وتفضح زيف الادعاءات الإسرائيلية والأمريكية حول حجم المساعدات

إن الطريق إلى كسر الحصار طويل وشاق لا يختصره مؤتمر ولا يلغيه أسطول لكن كل خطوة على هذا الطريق إذا ما أحسن توجيهها تشكل لبنة في صرح النصر ومؤتمر بروكسل بكل ما يحمله من رموز وما يجمعه من إرادات يمكن أن يكون إحدى هذه اللبنات الأساسية إنه ليس نهاية المطاف بل لعله بداية حقيقية لمرحلة جديدة من الفعل الدولي المنظم في بروكسل يلتقي ضمير العالم مع قوانينه وقد يكون هذا اللقاء هو الأمل الوحيد المتبقي لسكان قطاع غزة المحاصرين .

اخر الأخبار