لم تعد جرائم الجماعات الدينية المتطرفة حوادث معزولة في وطننا العربي، بل أصبحت وجهاً من وجوه أزمة فكرية وسياسية عميقة، تجلّت في جرائم داعش والقاعدة والجماعات السلفية الجهادية، التي استباحت دماء الأبرياء في المساجد والكنائس والأسواق، وحوّلت الاختلاف الديني والمذهبي إلى مبرر للقتل والإقصاء. وقد أعادت الجريمة التي استهدفت مشيّعين في كنيسة بمحافظة الكرك الأردنية، وأوقعت قتلى وجرحى، قضية التطرف والعنف القائم على الكراهية إلى واجهة النقاش، مؤكدة خطورة الأفكار التي تحوّل الاختلاف إلى مبرر للاعتداء على الأبرياء.
أيُّ دين يبيح قتل الإنسان لأنه مختلف؟ وأيُّ إيمان يحوّل سفك الدماء إلى بطولة؟ إن الجماعات التكفيرية التي تنصّب نفسها حَكَماً على عقائد الناس لا تدافع عن الدين، بل تختطفه لتبرير العنف، وتزرع الكراهية، وتمزّق المجتمعات من الداخل.
لكن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بملاحقة منفذي الجرائم وحدهم، بل بمساءلة الفكر الذي يبررها، والمنابر التي تروّج لها، والجهات التي توظّفها لتحقيق أهدافها السياسية. فالتطرف لا يعيش بالسلاح وحده؛ إنه يحتاج إلى فكر يبرر، وخطاب يحرّض، وسلطة تستثمر فيه أو تتغاضى عنه حين يخدم مصالحها.
إن مواجهة التطرف الديني تفرض نقداً صريحاً للأفكار والفتاوى والنصوص الدينية التي تكرّس التعصب أو تبرّر إقصاء المخالفين والعداء المذهبي. ويقتضي ذلك مساءلة أفكار سيد قطب، وفتاوى ابن تيمية وابن باز، وغيرها من الاجتهادات التي تتضمن أحكاماً تمييزية أو مواقف تشرعن الإقصاء، وكذلك إخضاع روايات الأحاديث التي يُستند إليها لتبرير العنف أو الانتقاص من المخالفين للفحص والنقد. فلا مكانة أصحاب هذه الأفكار، ولا منزلة الكتب الدينية لدى أتباعها، ينبغي أن تمنع مناقشتها وتقييمها بمعايير العقل وحقوق الإنسان وحرية الاعتقاد. فالتراث الديني، شأنه شأن أي إنتاج بشري، يجب ألا يكون محصّناً من النقد والمراجعة.
كما تقتضي المواجهة مراجعة المناهج الدينية والفتاوى والبرامج الإعلامية التي تغذي الكراهية، وترسيخ مبدأ واضح: حرية الاعتقاد حق، أما التحريض على قتل الآخرين فليس حرية رأي ولا اجتهاداً مشروعاً.
لقد أظهرت الصراعات الإقليمية كيف يمكن توظيف الانقسام المذهبي في خدمة الحسابات السياسية. ففي الحرب التي قادها التحالف بقيادة السعودية ضد الحوثيين في اليمن، تداخلت الحسابات الإقليمية مع خطابات طائفية ساهمت في تعميق الانقسام. ولا يعني ذلك اختزال الحرب اليمنية بكل تعقيداتها في العامل الطائفي، بل رفض تحويل المذهب إلى أداة تعبئة، أو اتخاذ العداء المذهبي غطاء لحرب يدفع المدنيون ثمنها قتلاً باسم الدين.
إن المعيار الحقيقي لمواجهة الإرهاب هو رفضه أياً كان مصدره، لا إدانته حين يستهدف الخصوم والتغاضي عن التحريض حين يصدر عن الحلفاء أو يخدم مصالح السلطة. فالمبادئ التي تتغير بتغيّر المصالح ليست مبادئ، ومكافحة الإرهاب لا تكون انتقائية.
إن المسؤولية لا تقع على الجماعات المسلحة ورجال الدين المحرّضين وحدهم، بل تشمل كل حكومة أو مؤسسة أو جهة تموّل خطاب الكراهية، أو تمنحه الشرعية، أو تستخدم الانقسام المذهبي لإضعاف المجتمعات والسيطرة عليها. وكل فتوى تحرّض على قتل إنسان بسبب مذهبه تستحق الإدانة، ويجب أن تخضع للمساءلة وفق القانون، بصرف النظر عن مكانة صاحبها أو الجهة التي تحميه.
إن معركتنا ليست مع دين أو مذهب، بل مع كل فكر يبرر قتل الإنسان، وكل خطاب يحوّل الاختلاف إلى عداوة، وكل سلطة تجعل مواقفها من التطرف تابعاً لمصالحها السياسية.
لا يمكن اقتلاع الإرهاب ما دام الفكر الذي يغذّيه محصّناً من النقد، وما دامت الفتاوى التي تبرّر الكراهية بمنأى عن المساءلة، وما دامت بعض السلطات توظّف الدين والانقسام المذهبي لخدمة حروبها ومصالحها. فمواجهة الإرهاب لا تبدأ من السلاح وحده، بل من تفكيك الأفكار التي تشرعن القتل، ومحاسبة كل من يحرّض عليه أو يمنحه غطاءً سياسياً ودينياً.
حين يصبح الدين غطاءً للقتل، والتكفير سلاحاً لإقصاء المخالفين، وتتحول دماء الأبرياء إلى ثمن لصراعات السلطة، فإن الصمت ليس حياداً، والتبرير ليس موقفاً بريئاً. فمن يزرع الكراهية يحصد الدماء، ومن يوظّف الدين لإشعال الحروب يتحمّل مسؤوليته عن الخراب، مهما تستّر بالشعارات والمقدسات.