تاريخ النشر: 2026-10-02 | 13:55
تاريخ النشر: 2026-10-02 | 13:55
يأتي الحديث عن حوار وطني فلسطيني مرتقب في القاهرة في لحظة مفصلية شديدة التعقيد من تاريخ القضية الفلسطينية، تتقاطع فيها تداعيات الحرب في قطاع غزة، واستمرار الاحتلال والاستيطان والضم في الضفة الغربية، ومخاطر التهجير، ومحاولات تكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، إلى جانب أزمة سياسية داخلية طال أمدها، أضعفت وحدة النظام السياسي الفلسطيني وأثرت في مكانته وثقة الشعب بمؤسساته. ومن المرجح أن تكون الانتخابات الفلسطينية، إلى جانب قضايا وطنية وسياسية أخرى، في صلب هذا الحوار، ولا سيما في ظل الظروف التي قد تجعل إجرائها في موعدها أمراً بالغ الصعوبة.
غير أن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: متى تجرى الانتخابات؟ بل يجب أن يتجاوزه إلى سؤال أكثر جوهرية: أي نظام سياسي فلسطيني نريد أن تنتجه هذه الانتخابات؟ هل نريد انتخابات تعيد إنتاج واقع سياسي مأزوم، أم نريدها مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعيته على قاعدة الوحدة والشراكة الوطنية؟ لقد أثبتت التجربة أن الانتخابات، على أهميتها وضرورتها، لا تستطيع وحدها معالجة أزمة النظام السياسي، كما أن جولات الحوار الوطني السابقة لم تتمكن من إنهاء الانقسام بصورة مستدامة، فبقيت الخلافات السياسية والمؤسسية وغياب الآليات الملزمة عوامل تحول دون ترجمة التوافقات إلى واقع سياسي جديد. لذلك لا ينبغي أن يكون الحوار مجرد مساحة لإدارة الأزمة، أو لتبادل الاتهامات أو لترحيل الخلافات من مرحلة إلى أخرى، وإنما أن يكون مناسبة لمراجعة وطنية صريحة ومسؤولة لما آلت إليه الحالة الفلسطينية، وللبحث الجاد في كيفية إعادة بناء النظام السياسي على أسس أكثر قدرة على مواجهة تحديات المرحلة. ولا يمكن أن تكتمل هذه المراجعة من دون الوقوف الواضح أمام تجربة الانقسام، وتجربة حركة حماس في قطاع غزة منذ سيطرتها بالقوة عام 2007. فطرح هذه الأسئلة لا يعني إعفاء الاحتلال من مسؤوليته عن العدوان والحصار والاستيطان والضم والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، فالاحتلال يظل أصلًا مركزيًا في المأساة الفلسطينية. لكنه يعني في الوقت ذاته أن مواجهة الاحتلال ومخططاته تتطلب بيتاً فلسطينياً موحداً ونظاماً سياسياً موحداً وقراراً وطنياً واحداً، لا واقعاً منقسماً يضعف القدرة الفلسطينية ويمنح الاحتلال مزيداً من الذرائع لتكريس الفصل وإدامة السيطرة. المطلوب من حركة حماس، كما من سائر القوى والفصائل الفلسطينية، أن تتعامل مع الحوار باعتباره فرصة للمراجعة والمصارحة وتحمل المسؤولية، لا مناسبة لإعادة إنتاج المواقف السابقة. والاستعداد الحقيقي لإنهاء الانقسام وإنهاء مظاهر السيطرة المنفردة والأمر الواقع، وإعادة قطاع غزة إلى إطار النظام السياسي الفلسطيني الموحد، يجب أن تكون في مقدمة الاستحقاقات الوطنية للحوار. فلا يمكن أن يُكتب لأي حوار فلسطيني النجاح إذا ظل يدور حول إدارة الانقسام بدل إنهائه، أو حول توزيع النفوذ بدل توحيد المؤسسات، أو حول تأجيل الانتخابات بدلاً من توفير شروط إجرائها. ودون ذلك سيبقى الحوار مجرد وسيلة لترحيل الأزمة من مرحلة إلى أخرى، ولن يكون قادرًا على إعادة بناء نظام سياسي فلسطيني موحد قادر على مواجهة الاحتلال والحصار، وعلى حماية وحدة الأرض الفلسطينية وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو حزيران 1967 وعاصمتها القدس.
فلسطين لا تحتاج إلى اتفاق يرحل أزمتها ويؤجلها بعنوان مختلف، بل تحتاج إلى إرادة سياسية صادقة تعيد بناء نظامها السياسي على قاعدة الوحدة والشراكة، وتقدّم المصلحة الوطنية على الحسابات الفصائلية الضيقة، وتعيد الاعتبار لوحدة الشعب والأرض والنظام السياسي والقرار الوطني. والامتحان ليس في موعد الانتخابات بل في الشجاعة على تقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار وتوحيد القرار الوطني، تمهيداً لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. بذلك وحده يمكن أن يتحول الحوار إلى بداية للخروج من الواقع المؤلم، لا تكراراً له، وأن يفتح طريقاً نحو مستقبل يليق بتضحيات الشعب الفلسطيني وتاريخه وحقوقه الوطنية الثابتة.
د. عبد الرحيم جاموس
2/10/2026 م
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب:
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: