تاريخ النشر: 2026-09-18 | 22:30
تاريخ النشر: 2026-09-18 | 22:30
غزة: عندما انهار مبنى سكني متعدد الطوابق في مدينة غزة هذا الأسبوع، لم يكن الدمار الذي خلّف 21 قتيلاً مجرد حادث مأساوي، بل كشف عن خطر يواجه آلاف الفلسطينيين الذين اضطروا إلى العودة إلى منازل أضعفتها الحرب، في ظل غياب المساكن الآمنة وتعثر جهود إعادة الإعمار.حسب أسوشيتد برس.
وبعد نحو عام من وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، والذي كان من المفترض أن يفتح الطريق أمام مرحلة إعادة البناء، لا تزال أجزاء واسعة من قطاع غزة مدمرة. وتعطلت خطط إعادة الإعمار مع تعثر المحادثات، بينما تفرض إسرائيل قيوداً مشددة على دخول مواد البناء، ما يجعل حتى إصلاح المباني المتضررة مهمة شاقة.
ويعيش كثير من الفلسطينيين داخل مبانٍ تعرضت لأضرار بالغة، رغم تشقق الجدران وانحناء الأرضيات وتضرر الأسقف والأساسات. وبالنسبة إلى هؤلاء السكان، لا يمثل البقاء في مبانٍ غير آمنة خياراً حقيقياً بقدر ما يعكس غياب البدائل.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة مقتل 21 شخصاً في انهيار مبنى بمدينة غزة الأربعاء. وبعد يومين، انهار سقف مبنى آخر في المدينة نفسها عقب هطول أمطار خفيفة، وفقاً لقوات الدفاع المدني، ما أدى إلى إصابة أربعة أطفال بجروح طفيفة.
وقالت أم محمد عداس، التي كان عدد من أقاربها بين ضحايا الانهيار الأول، إن المبنى كان قد تحول إلى ملاذ أخير لعائلتها.
وقالت عن الناجين من أفراد أسرتها: "الآن، هم ملقون في الشارع بلا مأوى ولا يملكون شيئاً على الإطلاق. حتى الملابس التي يرتدونها مستعارة."
وتقول عائلات أخرى تقيم في مبانٍ متضررة إنها لا تستطيع تحمل تكاليف الانتقال إلى أماكن أكثر أمناً، بينما تظل الخيام ومستلزمات الإيواء محدودة.
وقال أحمد عرفات، في شارع تغطيه الأنقاض بالقرب من منزله: "ليس لدينا مال للذهاب إلى مكان آخر، ولا نستطيع شراء خيام مثل الآخرين."
وفي مدينة غزة، يقول سكان عادوا إلى منازلهم المتضررة إنهم يدركون المخاطر، لكنهم لا يرون أمامهم خياراً آخر.
وقال علم زقوت، الذي يعيش مع عائلته في مبنى متضرر: "ما يُجبر الناس على العيش في هذه الأماكن هو عدم وجود مأوى آخر غير هذا المأوى. لا توجد خيام، ولا حتى أبسط الضروريات. أخبروني، أين يُفترض بي أن أذهب؟ ليس لديّ شيء آخر غير هذا المنزل."
ولم يكن انهيار هذا الأسبوع الأول من نوعه في قطاع غزة. لكن عدد الضحايا أعاد تسليط الضوء على أزمة أوسع نطاقاً في منطقة يفتقر فيها معظم السكان إلى مساكن ملائمة بعد سنوات من الحرب والدمار.
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن خمسة ملاجئ شهدت انهيارات خلال الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول، موضحاً أن تصنيف الملاجئ يشمل المنازل المستقلة والوحدات السكنية داخل المباني الأكبر.
مبانٍ متضررة تنتظر الإصلاح
تقول إسرائيل إنها لن تسمح بإعادة إعمار غزة قبل تخلي حماس عن أسلحتها. وفي الوقت ذاته، يعيش أكثر من مليون شخص في مواقع نزوح تفتقر إلى ظروف السكن الملائمة، وفق تقييم مشترك للأضرار أصدره البنك الدولي والأمم المتحدة في أبريل/نيسان.
ويعيش كثير من النازحين في مخيمات خيام واسعة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الصرف الصحي، بينما يقيم آخرون في مبانٍ متضررة من الحرب.
وأعلنت جهات الأشغال في غزة الأربعاء أن أكثر من 2000 مبنى إضافي معرض لخطر الانهيار.
وأظهر التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة أن 76% من الوحدات السكنية في القطاع تعرضت للضرر أو الدمار، واصفاً الخسارة التي لحقت بالمخزون السكني بأنها "كارثية".
وقالت شاينا لو، المتحدثة باسم المجلس النرويجي للاجئين، إن السكان يواجهون مفاضلة صعبة بين البقاء داخل مبانٍ خطرة أو الانتقال إلى خيام لا تتوفر بأعداد كافية.
وقالت: "يختار الناس البقاء في مبانٍ خطرة لأن فكرة العيش في خيمة أسوأ، كما أن إمدادات الخيام شحيحة للغاية إذا أرادوا مغادرة تلك المباني. لا تصل أي إمدادات خيام إلى غزة. الناس مستعدون للمخاطرة لعدم وجود بديل مناسب."
وكان المجلس النرويجي للاجئين ومنظمات إغاثة أخرى قد حذروا مراراً من تفاقم أزمة المأوى.
وبحسب تقرير صدر الشهر الماضي، ألحقت الحرب، التي استمرت قرابة ثلاث سنوات، أضراراً بأكثر من 320 ألف منزل، ما أثر على نحو 1.7 مليون شخص من سكان القطاع البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة.
وأظهرت استطلاعات أجراها المجلس أن 72% من السكان يعيشون في مبانٍ تعرضت لأضرار. وفي أحد أحياء مدينة غزة التي شملها المسح، كان 22% من المباني معرضاً لخطر الانهيار الوشيك.
الأمطار تضاعف المخاطر
ويحذر مهندسون ومنظمات إنسانية من أن المباني التي أضعفتها الحرب تصبح أكثر عرضة للانهيار خلال فترات الطقس السيئ.
ويمكن لمياه الأمطار أن تتسرب إلى الشقوق في الخرسانة وتصل إلى قضبان التسليح المكشوفة، ما يسرّع تآكلها ويزيد من ضعف الهياكل المتضررة أصلاً.
ووجد تقرير المجلس النرويجي للاجئين أن 71% من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع تعرضوا للفيضانات منذ بداية الشتاء الماضي، سواء كانوا يعيشون في خيام أو داخل مبانٍ متضررة.
ويقول العاملون في مجال الإغاثة إن الحد من هذه المخاطر يتطلب إدخال مواد إيواء إضافية، إلى جانب معدات ثقيلة يمكن استخدامها لإزالة الأنقاض وتأمين المباني التي تشكل خطراً على السكان.
قيود على مواد الإيواء وإعادة الإعمار
وجدد المجلس النرويجي للاجئين ومنظمات إغاثة أخرى دعواتها إلى إسرائيل للسماح بدخول مزيد من مواد الإيواء وإعادة الإعمار إلى غزة.
وقالت المنظمات إن إسرائيل رفضت، في أواخر أغسطس/آب وأوائل سبتمبر/أيلول، إدخال شحنات من الأخشاب ومجموعات مخصصة لبناء ملاجئ طارئة، لأسباب أمنية.
وتطالب المنظمات بإدخال الأخشاب، ومجموعات بناء الملاجئ، والحفارات، وغيرها من المعدات التي تقول إنها ضرورية للتعامل مع الأنقاض وتأمين المباني المتضررة.
وتفرض إسرائيل قيوداً على دخول مواد تصنفها على أنها ذات "استخدام مزدوج"، قائلة إن بعضها يمكن أن تستخدمه الجماعات المسلحة لأغراض عسكرية.
وقالت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT)، وهي الهيئة العسكرية الإسرائيلية التي تشرف على تنسيق المساعدات إلى غزة، إن إسرائيل "تسهل وتشجع بانتظام دخول إمدادات الإيواء إلى قطاع غزة بالتنسيق مع المنظمات الدولية."
وأضافت الوحدة أن هناك، في الوقت نفسه، "قلقاً أمنياً حقيقياً من أن تستخدم حماس بعض المكونات المخصصة لبناء الملاجئ لتعزيز قدراتها وإعادة بناء بنيتها التحتية الإرهابية."
وبينما تستمر القيود والخلافات بشأن المواد التي يمكن إدخالها إلى القطاع، يظل آلاف الفلسطينيين عالقين في مبانٍ تضررت خلال الحرب، في انتظار مساكن أكثر أمناً أو بدء عملية إعادة إعمار واسعة لا تزال، حتى الآن، بعيدة المنال.