أنقرة: نشرت مؤسسة «هوفر» (Hoover Institution) تحليلاً استراتيجياً للخبير ريتشارد أوتزن تناول فيه تحولات الحسابات الأمنية التركية على خلفية العمليات العسكرية الأخير ضد إيران (عمليتا Epic Fury الأمريكية وRoaring Lion الإسرائيلية). ويرى الباحث أن أنقرة تسعى لفرض "قطب إقليمي ثالث" يوازن نفوذ كل من إيران وإسرائيل، مع الحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة.
المرتكزات الخمسة للسياسة التركية
يرى التحليل أن أنقرة صاغت مقاربتها الأمنية بناءً على خمسة محددات رئيسية:
-
الشراكة الأمريكية ضرورية لكن غير كافية: واشنطن شريك لا غنى عنه، لكن تقلبات سياستها تستوجب عدم الاعتماد الكلي على ضماناتها.
-
إيران وإسرائيل كمصادر اضطراب: النظر إلى تصرفات الطرفين باعتبارها تجلب الدمار وتفرغ المنطقة من استقرارها، محملة الآخرين أعباء إعادة البناء.
-
التكافؤ العسكري الذاتي: الاعتماد على التصنيع العسكري المحلي الذي شهد طفرة بين 2001 و2023 للردع المستقل.
-
الفصل بين إسرائيل ونتنياهو: ربط جزء كبير من التصعيد الإقليمي بشخص بنيامين نتنياهو، مع ممارسة ضبط النفس لتجنب الاستدراج لمواجهة واسعة (كما حدث عقب الضربات الإسرائيلية في شمال سوريا).
-
التكتل الإقليمي: بناء تحالفات دفاعية وأمنية مع الدول الإقليمية الرئيسية ذات الأغلبية السنية.
بناء "القطب الثالث" و«اتفاق مكة»
أبرز التحليل سعي تركيا للتعاون الدبلوماسي والأمني مع دول المنطقة لتأسيس آلية دفاع متبادل:
-
«اتفاق مكة» المزعوم: أشار الكاتب إلى جهود مستمرة لجمع تركيا والسعودية وباكستان في إطار أمني/دفاعي يُعرف بـ «اتفاق مكة»، مع إمكانية التوسع ليشمل مصر وقطر.
-
الأهداف الاستراتيجية: يهدف هذا التكتل -حسب أوتزن- إلى سد ثغرات الحماية الأمريكية، ورفع كلفة استهداف أي من أطرافه من قبل إيران أو إسرائيل، وتجميع القوة النووية والاقتصادية والعسكرية للحد من الضغوط الخارجية.
-
إجهاض المشاريع الأحادية: تقويض التصورات التي تسعى لإيجاد نظام إقليمي تقوده إسرائيل لاحتواء إيران وتهميش القضايا الإقليمية والحضور التركي.
القدرات العسكرية والتحوط الاستراتيجي
تعتمد أنقرة على استراتيجية التحوط لتجنب الصدام المباشر مع واشنطن، مع استغلال ثغرات السياسة الأمريكية لتأمين مصالحها:
-
توظيف تفوقها في مجالات الدفاع الجوي، الطائرات المسيرة، الاستطلاع، والقدرات البحرية والسيبرانية لردع التهديدات القريبة دون انتظار تدخل خارجي.
-
تجنب التورط في ترتيبات أمريكية قد تتخلى عنها واشنطن لاحقاً، مع استمرار فتح قنوات التواصل وتجنب تحويل خصوم واشنطن إلى أعداء دائمين لتركيا.
حدود ومخاطر الطرح التركي
ورغم هذه التحركات، لفت التحليل إلى قيود قد تحد من نجاح هذا التوجه:
-
عدم اكتمال الأطر: يظل «اتفاق مكة» إطاراً تحليلياً يفتقر للتفاصيل التنفيذية والالتزام القانوني المعلن حتى الآن.
-
تباين المصالح: تباين الرؤى والأيديولوجيات بين دول التحالف المفترض قد يضعف تماسك هذا القطب في الأزمات المعقدة.
-
تداخل الميدان: صعوبة الفصل التام عن التوترات القائمة في سوريا وشرق المتوسط، مما يحافظ على احتمالات الاحتكاك المباشر.