تاريخ النشر: 2026-10-02 | 02:47
تاريخ النشر: 2026-10-02 | 02:47
يصعب أن أكتب عن صبري بوصفه مجرد رفيق رحل، فقد عرفته أولاً عبر الهاتف، ثم عرفته في المواقف، وفي المرض، وفي الصداقة، وفي ذلك الوفاء الذي لا يحتاج إلى كثير من الكلام.
في عام 2021، حين اشتد عليه المرض وأدخل مستشفى بيت لحم في حالة صعبة، صدف أن كنت في رام الله، فزرته برفقة الرفيق حسين قرابسة. كان التعب قد أخذ منه كثيراً، وكان الجميع يعتقد أنه لن يخرج. لكنه قاوم، وخرج بعد أسابيع بعزيمة صلبة. وظل المرض يلاحقه بين مستشفيات رام الله والقدس، لكنه لم ينجح في أن ينتزع من صبري روحه أو إنسانيته.
حين كنت عام 2022 في رام الله للعلاج، كان يلازمني كظلي، ينقلني بسيارته، يصطحبني لتناول صحن فول ذات صباح ندي، ويساعدني وأسرتي في الانتقال من شقة إلى أخرى. كان يفعل ذلك وهو المريض، وكأن وجع الآخرين كان عنده أهم من وجعه.
وحين حدثت زوجتي عن نبتة اللوف التي نعرفها في لبنان، قال إن قراوة بني زيد، بلدته، مليئة بها. وفي صباح اليوم التالي جاء حاملاً شوالاً منها. قلنا له مازحين: جاي على بالنا ناكله، مش نحمله معنا إلى غزة .
وحين أقمنا حفل زفاف ابنتي كلارا في مصر لضمان حضور الأهل الذين لا يستطيعون الدخول إلى غزة، أصر على الحضور. قطع الطريق من الضفة إلى الأردن ومنها إلى القاهرة، رغم مرضه، فقط ليكون إلى جانبنا. تلك كانت قيمة صبري: الصداقة عنده فعل، والوفاء موقف.
لكن صبري لم يكن صديقاً لي وحدي.
كان مناضلاً منذ شبابه؛ انتمى إلى بيتنا المشترك، الحزب الشيوعي الفلسطيني، مبكراً، ثم واصل مسيرته في حزب الشعب الفلسطيني، وتحمل مشاق العمل الوطني السري بعد احتلال عام 1967، وتولى مواقع حزبية ووطنية متعددة، وظل حتى آخر أيامه مؤمناً بقضايا شعبه وبالعدالة والحرية.
وكانت غزة في قلبه.
كان يزور مرضى غزة يبحث عنهم في مستشفيات القدس والضفة، يتابعهم ويتواصل معهم، وقبل الحرب بأشهر دخل غزة بتصريح، فلفها من شمالها إلى جنوبها بحثاً عن أصدقائه ومرضاه. زارهم في بيوتهم، حاملاً للأطفال ألعابهم التي يحبونها، شاركهم أفراحهم، وزارني في بيتي، ثم جاءني ذات مساء إلى رصيف ميناء غزة، حيث كنت أصطاد السمك عند المغيب.
لم تكن غزة بالنسبة إلى صبري مجرد مكان يحبه؛ كانت وجعاً يسكنه.
وحين بدأت الحرب، صار هذا الوجع أكبر من أن يحتمل. لم تنقطع اتصالاته. كان يسأل عنا، وعن أطفال غزة، وعن المرضى الذين عرفهم، وعن الناس الذين أحبهم، وعن الأماكن التي كان يعرفها، والتي لم تعد كما كانت.
كان يسأل عن البيوت التي تهدمت، وعن الشوارع التي تغيرت، وعن أماكن أحبها ولم يعد يستطيع أن يتخيلها كما كانت.
كان بعيداً عن غزة، لكنه كان يعيش وجعها من بعيد.
وكان يؤلمه أن يرى مدينة أحبها وأهلها وأطفالها تحت النار، وأن يعرف أن أصدقاءه الذين كان يزورهم في بيوتهم قد أصبحوا بين خيمة وبيت مهدّم ومكان نزوح.
كان مرضه ينهش جسده، وكانت غزة تنهش قلبه.
وربما لهذا كان يسأل كثيراً؛ لأن السؤال كان الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يفعله من بعيد. كان يريد أن يطمئن، أن يعرف من بقي، ومن نجا، ومن يحتاج إلى شيء.
واليوم رحل صبري، بعد سنوات من مقاومة المرض، كما عاش سنواته مقاوماً ومناضلاً.
لكنني لا أريد أن أتذكره فقط بما كانه في الحزب أو في الحركة الوطنية، رغم اعتزازي بذلك كله.
أريد أن أتذكر الإنسان.
ذلك الرجل الذي جاء بشوال اللوف، والذي حملني في سيارته، والذي قطع الحدود والمسافات ليشاركنا فرحتنا، والذي ظل يسأل عن غزة حتى وهو يصارع مرضه.
رحل صبري، وبقيت مواقفه.
بقي صوته في الهاتف، وضحكته في الذاكرة، وصحن الفول في سوق رام الله الشعبي، وشوال اللوف، وميناء غزة عند المغيب.
وبقيت غزة التي أحبها شاهدة على قلبه.
رحل صبري وترك في العين دمعة، وفي القلب غصّة، وفي الذاكرة رجلاً لم يكن يستطيع أن يرى وجع الآخرين دون أن يتوجع.
رحل المناضل، وبقي الإنسان.
وبقيت غزة التي أحبها، وبقي وجعها الذي حمله في قلبه حتى آخر أيامه.
وبقيت المحبة التي لا يستطيع الموت أن يأخذها.