تاريخ النشر: 2026-11-05 | 15:13
تاريخ النشر: 2026-11-05 | 15:13
لم تعد المرحلة الراهنة تحتمل الانتظار أو الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار، ولا يجوز للقيادة الفلسطينية أن تبقى أسيرة ردود الفعل، بينما تتغير موازين القوى والتحالفات السياسية داخل الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول الغربية المؤثرة.
إن التحولات السياسية الأخيرة تفتح نافذة مهمة أمام القيادة الفلسطينية لإعادة ترتيب أوراقها، وشن هجوم سياسي ودبلوماسي وقانوني منظم، يستهدف تصحيح مسار القضية الفلسطينية، وإبطال الآثار السياسية والقانونية للقرارات الأمريكية التي مست الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها.
وهنا تبرز ضرورة التحرك العاجل نحو مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، وسائر المؤسسات القانونية والدولية المختصة، من أجل تأكيد عدم شرعية الإجراءات الأحادية التي تمس الوضع القانوني والتاريخي للقدس، والدفاع عن قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرارات المتعلقة بالقدس الشرقية وحقوق الشعب الفلسطيني.
لكن التحرك القانوني وحده لا يكفي؛ نحن بحاجة إلى عقل سياسي جديد ورؤية وطنية مختلفة.
أمام القيادة الفلسطينية فرصة لإطلاق مبادرة سياسية غير تقليدية، تبدأ بتشكيل غرف عصف فكري وتخطيط استراتيجي، تضم نخبة من السياسيين والدبلوماسيين والخبراء القانونيين والاقتصاديين والأكاديميين والشخصيات الوطنية المستقلة، بعيداً عن المحاصصة التنظيمية والشخصنة والوصاية، وبعيداً عن الحسابات الفصائلية الضيقة التي عطّلت الكثير من الفرص وأضعفت القدرة على المبادرة.
المطلوب إعداد مشروع سياسي فلسطيني متكامل، واضح الأهداف، وقابل للتسويق والتبني الدولي، والعمل على حشد الدعم له داخل الأمم المتحدة، وفي مجلسي الكونغرس الأمريكي، وبين القوى السياسية الأمريكية، وكذلك لدى الدول الأوروبية والعربية والإسلامية والدول المؤثرة في صناعة القرار الدولي.
إن المرحلة المقبلة قد تشهد تفاهمات وترتيبات سياسية جديدة، وربما إعادة طرح مبادرات دولية تتعلق بمستقبل غزة والقضية الفلسطينية. ولذلك لا يجوز أن نصل إلى لحظة صناعة القرارات ونحن خارج غرف التأثير، أو أن نجد أنفسنا مرة أخرى أمام مشاريع جاهزة يُراد فرضها علينا دون مشاركة فلسطينية حقيقية.
علينا أن نكون شركاء في صياغة المستقبل، لا مجرد طرف ينتظر ما تقرره الأطراف الأخرى.
إن المطلوب اليوم ثورة في التفكير السياسي، لا مجرد تغيير في الوجوه.
نحتاج إلى استحضار الكفاءات الفلسطينية التي جرى تهميشها، وإعادة الاعتبار للشخصيات الوطنية صاحبة الخبرة والرؤية والقدرة على التواصل الدولي، وإنهاء حالة الجمود وشيخوخة الأداء السياسي، والانتفاض على ثقافة الاحتكار والاستئثار بالقرار الوطني.
كما يجب أن تكون هناك خطة واضحة لإعادة توحيد الجغرافيا السياسية الفلسطينية بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وإفشال كل محاولات الفصل والتهجير والوصاية الخارجية، وضمان أن يكون القرار الفلسطيني مستقلاً ومعبرًا عن إرادة الشعب وحقوقه الوطنية.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الاجتماعات البروتوكولية، ولا إلى إعادة تدوير الأسماء ذاتها، بل إلى عقول تفكر، وإرادات تعمل، وشخصيات تمتلك الجرأة على اقتناص الفرص.
إن الوقت ليس في صالح المترددين، والفرص السياسية لا تنتظر طويلاً.
رسالتي إلى القيادة الفلسطينية:
تحركوا الآن، افتحوا الأبواب أمام العقول والكفاءات، شكّلوا فريقاً وطنياً استراتيجياً، وضعوا مشروعاً سياسياً فلسطينياً متكاملاً، واذهبوا به إلى العالم قبل أن تُرسم ملامح المرحلة المقبلة من دوننا.
فالقضية الفلسطينية أكبر من التنظيمات، والقدس أكبر من الحسابات، ومستقبل الشعب الفلسطيني لا يجوز أن يبقى رهينة الجمود السياسي والصراعات الداخلية.
آن الأوان أن ننتقل من انتظار ما يقرره الآخرون إلى المشاركة الفاعلة في صناعة القرار.
فلسطين لا تحتاج إلى إدارة الأزمة فقط، بل تحتاج إلى قيادة تصنع الفرصة وتحول التحولات الدولية إلى مكاسب وطنية.