تاريخ النشر: 2026-11-05 | 11:13
تاريخ النشر: 2026-11-05 | 11:13
واشنطن: كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن السعودية أجرت اتصالات مع الحوثيين لاستكشاف شروط التوصل إلى اتفاق يوقف الهجمات على أراضيها ومصالحها النفطية، بعدما استهدف الحوثيون ناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر وسيطروا على مناطق استراتيجية تشرف على باب المندب. ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة على المحادثات أن الحوثيين طالبوا الرياض بدفع 51 مليار دولار تعويضاً عن سنوات الغارات الجوية والحصار، إلى جانب الاعتراف الرسمي بهم حكاماً لليمن. وطرحت خلال الاتصالات مبالغ أخرى، لكن المطالب بقيت في حدود عشرات المليارات من الدولارات.
وتكشف المعلومات أن ولي العهد محمد بن سلمان يدرك صعوبة الخيارات المتاحة، لكنه لا يريد الدخول في مفاوضات شاملة دون تحقيق مكاسب ميدانية تمنح الرياض أوراق ضغط على الحوثيين. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين سعوديين أن الأمير يخشى أن يؤدي توسيع التدخل البري إلى خسائر بشرية كبيرة واستياء داخلي، خصوصاً أن القوات السعودية تكبدت بالفعل عشرات الإصابات والخسائر البشرية التي لم تعلنها السلطات.
وتأتي الاتصالات بعدما حقق الحوثيون تقدماً ميدانياً جعلهم على مسافة نحو 80 كيلومتراً من عدن، أقرب مما وصلوا إليه منذ عام 2015، بالتزامن مع توسيع استهداف المطارات والمنشآت النفطية السعودية. ووفق بيانات مشروع رصد النزاعات المسلحة «أكليد»، شن الحوثيون هجمات شبه يومية خلال أكتوبر، تصاعدت بصورة كبيرة قرب نهايته، مع تسجيل 26 حادثاً داخل المملكة خلال الأيام الأخيرة. كما استهدفوا مواقع داخل اليمن يمكن استخدامها لتجميع القوات وقيادة أي هجوم بري سعودي، بينها ضربة في محافظة شبوة أسفرت عن مقتل 75 شخصاً على الأقل وإصابة أكثر من 200. ويرى العقيد الأمريكي المتقاعد ديفيد دي روش أن استخدام صواريخ باليستية قصيرة المدى ضد مناطق مثل عدن يعقّد حشد القوات البرية ونقلها استعداداً لأي هجوم مضاد.
وتواجه الرياض صعوبة في بناء تحالف عسكري قادر على تغيير الموازين ميدانياً. فقد انسحبت الإمارات بالكامل من الحملة ضد الحوثيين في ديسمبر الماضي، بعد خلاف حاد مع السعودية بلغ حد قصف الرياض شحنة أسلحة قالت إنها موجهة إلى حلفاء أبوظبي. وتدعم الإمارات قوى تسعى إلى إقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن، خلافاً للموقف السعودي الداعي إلى الحفاظ على وحدة البلاد. وفي محاولة لتعويض هذا الغياب، سعت الرياض إلى الاستفادة من اتفاق مكة الدفاعي مع تركيا وباكستان، لكن البرلمان التركي لم يصادق عليه بعد، بينما رفضت باكستان المشاركة في ضربات داخل اليمن.
وفي المقابل، وافق البرلمان المصري خلال أكتوبر على تقديم دعم عسكري للسعودية، لكن الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد أن أي مهمة مصرية ستكون دفاعية فقط. كما امتنعت الولايات المتحدة حتى الآن عن تقديم دعم عسكري مباشر ضد الحوثيين، رغم تنفيذها حملة استمرت أسابيع ضد الجماعة عام 2025. وتكشف هذه المواقف أن استعداد الحلفاء للمساعدة في الدفاع عن المملكة لا يعني استعدادهم للمشاركة في حملة هجومية برية واسعة، وهي المعضلة التي تحد من قدرة الرياض على انتزاع مكاسب ميدانية قبل التفاوض.
ويزيد الوضع تعقيداً استنزاف الدفاعات الجوية السعودية في مواجهة تهديدات متعددة؛ فالمملكة مضطرة إلى توزيع صواريخ باتريوت والاعتراضات الأخرى بين الهجمات الإيرانية من الشرق، والفصائل العراقية من الشمال، والحوثيين من الجنوب. ويرى دي روش أن الضربات الجوية السعودية وحدها لن تكفي لتغيير الموازين، وأن المطلوب ضغط بري لا تمتلك المملكة حالياً القوات اللازمة لتنفيذه. ويعتقد كريستيان كوتس أولريكسن، من معهد بيكر بجامعة رايس، أن اختلال المخاطر بين السعودية والحوثيين أصبح أكبر مما كان عليه بين عامي 2015 و2022، لأن الهجمات على البنية المدنية والطاقة باتت تهدد ثقة المستثمرين، بينما يملك الحوثيون قدرة أكبر على تحمل حرب استنزاف طويلة.
وتحذر الصحيفة من أن استئناف الولايات المتحدة أو إسرائيل الحرب الواسعة على إيران قد يدفع طهران إلى تشجيع الحوثيين على تصعيد هجماتهم الإقليمية، بما يعرض السعودية لمواجهة أشد تعقيداً. وتصبح الرياض بذلك أمام خيارين مكلفين: قبول تسوية مالية وسياسية قد تعزز سلطة الحوثيين وتفتح الباب لمطالب متكررة، أو مواصلة حرب تستنزف دفاعاتها واقتصادها دون ضمان تحقيق تقدم عسكري حاسم. وتكشف الاتصالات التي أوردتها الصحيفة أن المشكلة السعودية لم تعد تقتصر على وقف الهجمات، بل تشمل الثمن السياسي والاستراتيجي المطلوب لإنهائها.