تاريخ النشر: 2026-09-17 | 11:06
تاريخ النشر: 2026-09-17 | 11:06
تل أبيب: نشرت صحيفة "هآرتس" العبرية يوم الخميس، تقريرا حول انهيار مبنى سكني أدى إلى وفاة أكثر 21 فلسطينيا، رأت فيه ليس كارثة موضعية، بل تعبير عن الضائقة العميقة التي يعيشها القطاع، بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب، وفي ظل عدم وجود مأوى آخر، اضطر سكان المبنى إلى الإقامة فيه رغم تضرره جراء هجمات الجيش الإسرائيلي.
وتشير تقديرات سلطات مدينة غزة إلى أن الحادثة قد تتكرر؛ إذ يوجد نحو ألفي مبنى معرضة لخطر الانهيار، فيما يُعد الخطر وشيكًا في مئات منها. وعلى غرار سكان المبنى الذي انهار، يواصل آلاف الأشخاص الإقامة فيها اضطرارًا.
وقالت الصحيفة العبرية، "توضح الحالة المتردية للنظام الصحي حالة الجمود التي غرق فيها القطاع: صحيح أن القتال المكثف انتهى، لكن إعادة الإعمار التي كان يفترض أن تبدأ بعده لم تبدأ بعد. وقد حظيت تصريحات رئيس هيئة الأركان، إيال زامير، بأن حماس هُزمت، باهتمام أيضًا بين سكان غزة، لكن الصورة من وجهة نظرهم تبدو أكثر تعقيدًا".
وقال سكان من غزة تحدثوا إلى "هآرتس" إن القدرات العسكرية لحماس ضعفت بالفعل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، لكنهم شددوا على أن الحركة لم تُهزم بالكامل. وبحسب قولهم، ما دام لم تنشأ سلطة بديلة، فإن مستقبل سكان القطاع يظل غامضًا.
وقال مسؤول سابق في الأجهزة الأمنية في القطاع للصحيفة العبرية: "من الواضح أن حماس موجودة اليوم في وضع عسكري صعب جدًا. الاغتيالات الأخيرة لقائد لواء خانيونس وقائد لواء رفح تنضم إلى سلسلة الاغتيالات التي نُفذت خلال السنوات الثلاث الماضية. لم تعد حماس قادرة على العمل بحرية، ويتم اغتيال شخصيات رفيعة جدًا في كتائب القسام".
وأضاف أن المؤشرات على ذلك ظهرت حتى قبل وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي: "في الأشهر الأخيرة من الحرب، لم يكن هناك تقريبًا إطلاق صواريخ من غزة باتجاه إسرائيل، ولم تكن هناك عمليات عسكرية مهمة. ولذلك، وكما قال إيال زامير، أعتقد أن المعركة حُسمت فعليًا من الناحية العسكرية".
ويصف مصطفى إبراهيم، الباحث في المجتمع الفلسطيني والمقيم في القطاع، مناخًا أمنيًا مشابهًا. وقال: "الدمار هائل، سواء في المباني والبنية التحتية أو في القدرات العسكرية لحماس".
وأضاف: «إذا سألنا ما إذا كانت لدى حماس اليوم القوة والقدرة على تنفيذ تهديد عسكري ضد إسرائيل، فلا شك أن الجواب هو لا»، لكنه أوضح أنه من المبكر إعلان نهاية الحركة. ويرى إبراهيم أن أحد الأخطاء الشائعة في فهم موازين القوى في القطاع هو التعامل مع حماس باعتبارها جسمًا واحدًا. وقال إنه ينبغي، بدلًا من ذلك، الفصل بين منظومة الحكم التابعة لحماس ودورها الاجتماعي والسياسي، وبين جناحها العسكري الذي تلقى ضربة قاسية.
ويقر مصدر مقرب من حماس أيضًا بأن الوجود العسكري للحركة في المجال العام تقلص بصورة كبيرة. وتُوجَّه موارد كثيرة من الحركة حاليًا إلى مواجهة الميليشيات المحلية والعائلات والعشائر والمجموعات المسلحة الأخرى التي يمكن أن تتحدى حكمها.
وقال المسؤول الأمني السابق: «ربما تكون حماس فعلًا بصدد إعادة تنظيم صفوفها وتجنيد فلسطينيين إضافيين، لكنني أعتقد أن الهدف من ذلك هو أساسًا التعامل مع الاحتجاجات الداخلية أو مع تمردات محتملة من جانب العائلات والعشائر داخل قطاع غزة. لا أعتقد أن هذه القوة مخصصة لمواجهة عسكرية مع إسرائيل».
بمعنى آخر، لم تتعافَ الحكومة في غزة بعد، لكن لا يوجد في القطاع فراغ حكومي كامل أيضًا: فبصورة محدودة وأقل رسمية مما كانت عليه في السابق، يواصل عناصر حماس جباية الضرائب ومعالجة الشكاوى المتعلقة بالنزاعات المدنية والسرقات.
وفي ظل غياب بديل، تكتسب هذه الأنشطة أيضًا أهمية في نظر السكان. وقال إبراهيم: «الحكومة، أو الإدارة في غزة، تعمل بالوسائل المحدودة المتاحة لها. المكاتب تعمل يوميًا، وتُعقد اجتماعات، بل توجد أيضًا ورش عمل تتناول التخطيط للمرحلة المقبلة».
ووصف الفجوة بين الصور التي تنشرها المستويات الإدارية وبين ما يحدث في الشارع الغزي بأنها «فجوة سريالية»: «عندما تتابع المواقع الرسمية والصور التي تنشرها لاجتماعات المكاتب المختلفة، يبدو الأمر أحيانًا وكأنه لا توجد حرب».
في الواقع، دُفع نحو مليوني نسمة من سكان غزة إلى مساحة تبلغ نحو نصف مساحة القطاع. وتعثرت إعادة إعمار غزة على خلفية الخلاف حول نزع سلاح حماس، فيما كاد الخطاب حول لجنة لإدارة القطاع، وآلية فلسطينية بديلة، وانتخابات مستقبلية، أن يختفي من الساحة العامة.
والرأي السائد في القطاع هو أن العملية جُمّدت إلى ما بعد الانتخابات في إسرائيل.
وأضاف إبراهيم: «في الوقت الحالي، لا أحد يدفع فعليًا باتجاه بدء عملية إعادة الإعمار والبناء، أو الانسحاب الإسرائيلي، أو نزع سلاح حماس».
لكن كثيرًا من السكان لا يملكون ترف الانشغال بالمعضلات السياسية. فالأسئلة التي تؤرقهم أكثر بساطة بكثير: هل سيبقى المبنى الذي ينامون فيه قائمًا حتى الصباح؟ وهل سيتمكنون من الحصول على علاج طبي في المستشفى إذا أُصيبوا؟
وفوق كل شيء، يريدون أن يعرفوا ما إذا كانوا سيعيشون بين تلك الأنقاض نفسها في العام المقبل أيضًا.