(نتنياهو)- وجه (إسرائيل) الحقيقيّة
أحمد أشقر
أمد/ (نتنياهو) لا يزال بريئاً
تحتل شخصيّة رئيس الحكومة (الإسرائيليّة، بنيامين نتينياهو)، (وأفراد أسرته أيضاً) حيّزاً واسعاً في وسائل الإعلام التي تركز على "سوء" إدارته للشأن العام في الكيان منذ رجوعه من الولايات المتحدة وانخراطه في الحياة السياسية العامة أواسط تسعينيات القرن الماضي. تزداد هذه الانتقادات حدّة وكثافة ورفضاً لسياساته واستمرار بقائه في السلطة، تحديداً في الفترات المفصليّة المضطربة مثل الإصلاحات القضائية والإدارية الأخرى في السنتين الأخيرتين، وإدارة مجريات الحرب المستعرة على خمس جبهات منذ تسعة أشهر- دون تمكن (نتنياهو) ونظامه من ردّ المخاطر "المصيريّة" التي تهدد مستقبل الكيان ومستعمريه. هذا مفهوم لأنه صاحب الولاية العامة الشرعيّة لإدارة شؤون الكيان. لذا يمكن القول أنه التعبير الصادق والأمين عن الوضع المعيشي المضطرب في الكيان، (الاحتقان الاستعماري- كما وصفته في مقال سابق). أي أن (نتنياهو)- متوسط حاصل جميع يهود الكيان الذين يمثلهم بصورة شرعيّة. في هذا السياق نذكر أن معهد (بيو) الأمريكي للاستطلاعات أكد أن 94% من مستعمري الكيان يؤيدون حرب الإبادة على غزّة التي يقودها (نتنياهو). ونتيجة الإخفاق في إدارة هذه الحرب توهمنا غالبيّة وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبيّة (والعربيّة التي سنتحدث عنها لاحقاً)، أن حُكم (نتنياهو) ليس شرعيّاً أو على الحدود المفصليّة بين ما هو شرعي ولاشرعي، ويهدد أمن (إسرائيل). يجب التأكيد على ما هو ثابت ومتفق عليه في الحياة السياسيّة العامة في الكيان- حصل (نتنياهو) على كل المناصب الذي تبوأها ويتبوأها وفقاً للقانون والنظم المرعيّة فيه، التي وضع أسسها وقواعدها معارضوه؛ ويقوم (نتنياهو) بإدارة حكمه وفقاً لها. بكلمات أخرى- يمكن الجزم أن حكم (نتنياهو) للكيان يتم بصورة شرعيّة وقانونيّة. صحيح أنه يُحاكم أمام القضاء بتهم الفساد وسوء الإدارة، إلا أن هذا لا يعني أنه تجاوز القانون فعليّاً- لأن القانون (الإسرائيلي) يقضي بأن المتهم بريء ما لم تَثبت إدانته- بينما العربي مُدان ما لم تثبت براءته (لكن هيهات)! فـ(نتنياهو) الذي يعرف ويدرك مكنونات هذه القاعدة، لا بل القانون، يعمل بحسبه ماطّاً إياه إلى أقصى نقطة من حدود اللاشرعيّة/ الشرعيّة عمليّاً. وعلى الذين يتهمونه باقتراف كل التُهم والتجاوزات المنسوبة إليه أن يقرّوا بأن مسؤولية بقائه على رأس نظام الحكم تقع بالأساس على مؤسسات الكيان التي لا تملك أية صلاحيّة لردعه، أو تنحيته، أو إقالته أو منع انتخابه مجدداً. صحيح أن منسوب شبقه للتمسك بالسلطة والتهرب من محاكمته عالي جداً، إلا أنه يبقى في إطار الشرعي والقانوني.
المُعبّر الصادق والأمين
على المستوى الذهني الصرف والبارد، يمكن تحليل وفهم أسباب حالة الاستقطاب التي يعيشها (نتنياهو) ونظامه وجوهرها تعبير عن حالة الاحتقان الاستعماري- كما وصفتها في مقال سابق- وتتمثل بما يلي: لم يعد بإمكان اليهود مواصلة استعمارهم لفلسطين العربيّة وفقاً للقواعد، والمفاهيم والممارسات التي أرسوها خلال سبعة عقود (وقد دخل بعد هذه الفترة البعد الإسلامي العملي وليس الشعائري والشعاراتي التقليدي ضد الاستعمار)؛ كما لم يعد النظام الحاكم في الكيان قادر على إدارة حالات الاستقطاب الاقتصادية، والإجتماعيّة والقيميّة التي تجلت في اضطراب سلطوي بخمس جولات انتخابية، خلال ثلاث سنوات وسبعة أشهر، من التاسع من نيسان 2019 حتى الثلاثين من كانون الثاني 2023—- هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى تبرز محاولات الإصلاحات القضائية والإداريّة. لم تنتج الخلافات التي نراها اليوم من ديناميكيات داخليّة فحسب، بل من حالة الاحتقان المذكورة التي هي عبارة عن محاولة القوى الاجتماعية والعقائدية اليهودية المتدينة، الحريديم ومستعمري الضفة الغربيّة المُمثلة في الحكومة الحاليّة، بإعادة توزيع الثروات المنهوبة من فلسطين والعرب، على أن تأخذ كل جماعة أو قوة حصتها كاملة (وربما أكثر)، لأنها تعتقد بأنها ظُلمت ولم تأخذ حصتها الكاملة نتيجة لسيطرة اليهود الليبراليين الأشكناز من مستعمري الأرض المحتلة سنة 1948. وبعد عشر أشهر من الخلافات والتجاذبات في الشارع، والإعلام والقضاء بين القوى المذكورة، فاجأ طوفان الأقصى بمجرياته كافة المُستعمرين (ويهود العالم)، وممثلهيم ونخبهم المختلفة، بينما لا يزال نظام (نتنياهو) يقف عاجزاً عن تقديم إجابات مُرضية لهم. فمنهم من ينتقده ويرفض سياسته ويحمّله مسؤولية ما يحدث- ومن الجهة المقابلة هناك من ينتقده ولكن يؤيد سياسته.
يدعي معارضو (نتنياهو) ليل نهار أن نظام حكمه فاسد، ويهدد السلم الأهلي للمستعمرين اليهود ودولتهم، لا وبل يصفونه بأنه غير شرعي. ويمكن الردّ على هذه الإدعاءات بمستويين اثنين، الأول- إن كل ما يدعيه معارضو (نتنياهو) كذب في كذب، لأن الشرطة، والقضاء، وقوى الجيش والأمن والاستخبارات، وكافة دواوين الرقابة والمحاسبة مجتمعة لم تعمل بإصرار على كفّ يده عن السلطة وإقالته. وإنما يكتفون فقط بتوجيه التهم إليه، لتظل مثلها مثل ملايين التهم الموجهة لأمثاله من مواطني الدولة اليهود وسكانها العرب. يُطرح السؤال هنا: كيف نصدق أن هذا الرجل يهدد أمن الدولة دون أن تتمكن القوى التي تنتقده مجتمعة من كفّ يده وإقالته. هل يُعقل هذا؟ وبالمستوى الثاني- لفهم ما (لا)يحدث يمكننا الاستعانة بتحليل أكثر وجاهة نستعيره من الفيلسوف الروسي، بليخانوف (1856- 1918)، في كتابه دور الفرد في التاريخ الذي يحلل فيه الحالات الشبيهة بحالة (نتنياهو). بالإشارة إلى أن هذه الشخصيات لا تقفز من خارج التاريخ أو الظروف الاجتماعية والمجتمعيّة، بل تنبع من داخلها، وتنسجم معها وتعبّر عنها بإخلاص وأمانة. أي أن (نتنياهو) هو حاصل متوسط المجتمع والسياسة في السياق التاريخي الحالي في الكيان (ولربما بين غالبيّة يهود العالم). أما ادعاء معارضيه الذين يعتقدون أن أتباع "ظاهرة بيبي" أو الـ(Bibizm) و"بيبي ملك اليهود" هم فاسدون مثله- فهو إدعاء غير كافٍ لتفسير وفهم هذه الظاهرة، لأنها أعقد بكثير عمّا تتحدث عنه وسائل الإعلام. لذا يمكن القول أن هذه الظاهرة هي، درن من أورام- أوهام النيوليبراليّة، التي يتوهم الفرد فيها أن بإمكانه تقلد أي منصب يرغب به. فجماعة (بيبيي) يؤمنون أن بإمكانهم تقليده والوصول إلى المكانة والغِنى الفاحش الذي وصل إليه. خاصة وأن المذكور عديم أو متوسط المواهب، وكذوب، وفاسد- كما يردد الإعلام (الإسرائيلي) ليل نهار. وتزداد شدة هذا الوهم والرغبة كلما غرق الفرد في أدنى مستويات السلم الاجتماعي مثل مؤيدي (نتنياهو) ومناصريه. فـ(نتنياهو) هو المثل الذي يتوهمون بتقليده، لذا يؤيدونه ويدعمونه على أمل أن يصبحوا مثله.
الاستعمار فاسد بالضرورة
هدياً على تحليل بليخانوف- من جهة؛ وفهم التاريخ القائل بأن الماضي يفضي إلى المستقبل ويتوسطهما، نذكر عدة أمثلة عن كيفيّة تَخلُص الكيان من القيادات التي لم تكن تعبّر بأمانة وإخلاص عن واقعه- في سنة 1977 اضطر (يتسحاك رابين)، رئيس الحكومة آنذاك، للاستقالة، لأن زوجته (ليئة) فتحت حساباً مصرفيّاً في أمريكا وأودعت فيه 300$ من راتبه دون أخذ موافقة أو علم السفارة؛ وفي سنة 1995 تم اغتيال (رابين) من قبل يهودي متطرف على خلفيّة اتفاقيات أوسلو "التفريطيّة". ومن بين الذين حرضوا عليه (نتنياهو) ووزير الأمن الداخلي، (بن جفير)، الذي هاجم سيارة (رابين) واقتلع علامتها التجاريّة من مقدمتها؛ وفي نفس سنة استقالة (رابين)، أي 1977، انتحر وزير الإسكان (أبرهام عوفَر)، الذي كان وزيراً في حكومته، لأن المستشار القضائي للحكومة آنذاك رفض طلبه بإيقاف الشرطة عن التحقيق حول شبهات فساد اقترفها على ما يبدو في وزارته؛ وفي سنة 1998 اضطر رئيس الدولة آنذاك، (عيزر وايزمان)، على الاستقالة لأنه واصل عمله كقوّاد سلاح أثناء رئاسته دون علم وإذن السلطات المختصة؛ كذلك في سنة 1999 أدين وزير الداخليّة، (آريه درعي)، بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة تلقي رشاوى وخيانة الأمانة. بعدها عاد (درعي) للكنيست وهو الآن إحدى الشخصيات المؤثرة في الحكومة لأنه يرأس حركة (شاس) الأصوليّة المتطرفة؛ في سنة 2001 استقال وزير الدفاع السابق وعضو الكنيست حينها، (يتسحاك مردخاي)، لأنه أدين بمحاولة اغتصاب فتاة. يجب التذكير هنا أن المذكور كان أحد الوجوه الواعدة في (الليكود) للترشح لرئاسة الحكومة؛ وفي سنة 2014 أدين رئيس الحكومة، (إيهود أولمرت)، بالسجن لمدة سنة ونصف لأنه تلقى رشاوى بقيمة نصف مليون شاقل، ويُقال أن السبب الحقيقي لإدانته وسجنه هو كونه عرض على عرفات "أكرم" عرض ممكن أن يقدمه رئيس حكومة في إسرائيل. وفي سنة 2016 أدين رئيس الدولة، (موشي كتساف)، بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة اغتصاب وتحرش جنسي بموظفات في مكتبه. نذكر هنا (أيضاً) أن المذكور كان شخصية واعدة لخلافة (نتنياهو) في (الليكود). هذه نماذج بارزة نعرضها للدلالة على كيفية تخلُّص (إسرائيل) من فاسديها الذين لم ينبثقوا من كينونتها آنذاك ولم يعبّروا عنها بإخلاص وأمانة.
من الذاكرة- في مطلع ثمانينات القرن الماضي، وأثناء محاضرة عامة في (تل ابيب) ألقاها القائد العام للشرطة في حينه، (يتسحاك شبيرا)، الملقب بـ"أفرسيك/ الإجاصة"- بالعربيّة، سألته ما يلي: نقرأ كل يوم في الصحف ونسمع في التلفزيون والراديو عن كم هائل من الجرائم والجنايات، هل أنتم جنائيين أم ماذا؟ أجاب- نحن تجميع من كل أنحاء العالم، لهذا السبب لا يمكننا الضرب بالحديد على كل جناية ومخالفة! بعد أشهر أقاله وزير الداخليّة آنذاك، (يوسيف بورغ)، بنفس التهم التي كان يغطي عليها! نفهم مما تقدم أن الفساد زمرة ملازمة للحالة اتتفاقم كلما ازدادت أزمتها واحتقانها.
إعلام (الأبراهاميّة)
استدراك- منذ بداية الطوفان قلت ورددت مراراً وتكراراً أن هذه المرحلة لم تُنتج مفاهيمها بعد. وتحتاج إلى جهود جبّارة بحجم وشدّة تداعيات الطوفان، يشارك فيها محور المقاومة، وروسيا، والصين وأحرار العالم لإيجاد بُنية فوقيّة بديلة تستجيب لفهم وإدارة العالم الذي يتشكل بفعل الطوفان (وأوكرانيا وتايوان مستقبلاً) بصورة أكثر عدلاً واستقراراً.
نفهم اشتغال وانشغال اليهود ووسائل إعلامهم بـ(نتياهو) الشخص. فهو ابنهم وهم أولى به. أما انشغال العرب به كما يظهر في وسائل إعلامهم فلا يمكن فهمه من النظرة الأولى، لأنه يحتاج إلى قراءة مختلفة. ولا يكفي أن نطلق عليه حكماً قيميّاً، أو"دياثة"، كما وصفها الشاعر المبدع الراحل أحمد حسين قبل حوالي عقدين من الزمن.
يردد الإعلام العربي كل ما يقوله الإعلام (الإسرائيلي) عن (نتنياهو)، حتى ليخال للمُتلقي العربي العادي أن هدف إعلامه هو إنقاذ (إسرائيل) من أزمتها "المصيريّة" بالتخلص من المذكور. والحقيقة أنه يصعب على الإنسان المتمرس في التحليل والفهم ردّ هذه الشبهة عن هذا الإعلام وجوهره إعلام الأنظمة الرسمية الأبرهاميّة الذي بات يساند (إسرائيل) ويعمل جاهداً تحت إمرتها للتخلص من استحقاقات الاستعمار اليهودي لفلسطين. فهذا الإعلام استطاب التسكع وتلقيط الأخبار والتحليلات التي لا قيمة لها في المصلحة القومية العربيّة، من الإعلام (الإسرائيلي) الذي يهدف إلى إنقاذ (إسرائيل). ومن يتابع الإعلام (الإسرائيلي) يمكنه معرفة المقال العبري الذي قرأه "المحلل" العربي قبل ضهورة على الفضائية العربيّة. فغالبيّة المحللين في الشأن (الإسرائيلي) في هذا الإعلام لا يجيدون فكّ الشيفرات (الإسرائيليّة) المختلفة. والكثير من هؤلاء الإعلاميين المحللين لم يكتب مقالاً حصيفاً واحداً في حياته بهذا الشأن. حتى أن كاتباً يُقال أنه ينتمي لـ"تاج اليسار الفلسطيني" قبل أن يسقط ليدير سلسلة من الدكاكين الرديئة والسوبرماركتات الفاخرة، كتب مقالاً يعاتب فيه "السيّد نتياهو"!! وآخر ما قاله في تحريفه لمقابلة (نتنياهو) في القناة 14 بتاريخ 22 حزيران 2024 على فضائيّة الميادين أن "الأدرنالين" في دم (نتنياهو) كان مرتفعاً! يدل هذا على أن الإعلام العربي قد أصبح ظهيراً للكيان وسنداً له في مهمته، فبدلاً من العمل على تفكيك خطاب الإعلام السياسي للكيان، صار يُسهم في تقديم مقاربات معقولة لردء مخاطر (نتنياهو) ودولته عن العرب. في هذا السياق نذكر المفارقة التالية- عندما وضع الإعلام العالمي الرئيسين صدام حسين وبشّار الأسد في دائرة التحريض، كان الهدف تدمير كلاً من العراق وسوريّة- بينما يهدف إنتقاد هذا الإعلام لـ(نتنياهو) والدعوة غير المؤكدة للتخلص منه، كما شرحنا، إلى إنقاذ (إسرائيل) من احتقاناتها الداخليّة، ومن المصير الذي يتوعدّها به محور المقاومة.
