الفلسطينيون نحو كفاح استراتيجي منتصر

تابعنا على:   16:40 2024-08-23

صالح عوض

أمد/ قرن من الزمان انقضى بمشاعره وأفكاره و رؤاه وتضحياته في واحدة من اخطر ملاحم التاريخ للتصدي لعمليات الابادة المنهجية لواحد من اعرق شعوب الارض في مكان هو الاكثر بركة وتميزا على الصعيد الانساني والروحي وعلى مداره أصر الفلسطينيون على عروبة مشروعهم الكفاحي.. ودوما نظروا إلى العرب كأهل وعشيرة وسند ومدد وعمق استراتيجي حاضر.. ودوما اعتقد الفلسطينيون ان رباطهم بأكناف بيت المقدس من شأنه ان يشد المسلمين لنصرتهم دفاعا عن المقدسات..

قومية المعركة او إسلاميتها نعم ولكن:
أهم نتائج الطوفان على صعيد العقل الفلسطيني أنها تمثل دعوة له لإعادة ترتيب رؤيته و أولوياته ورسم معالم إستراتيجية فلسطينية جديدة ومشروع تحرير فلسطيني من جديد بعيدا عن الأفكار العامة والكلام الفضفاض والرغبات الحالمة، وذلك بعد خيبة الأمل في الواقع العربي والإسلامي إلى درجة فاقت أكثر الظنون سوءا.
من أكثر شعوب العرب يشعر شعب فلسطين بعروبته طازجة حيوية طافحة، كما يشعر بأنه جزء لا يتجزأ من بلاد الشام كوحدة من وحدات الوطن العربي الأساسية، ولم يكن سايكس-بيكو الذي فرض على المنطقة بقادر على إضعاف هذه المشاعر الإقليمية والأحاسيس القومية العميقة، وقد تجلى ذلك في تسمية العناوين السياسية التي انبثقت في فلسطين منذ البداية، فلقد كان المؤتمر الفلسطيني الأول بعنوان "المؤتمر السوري الفلسطيني" وكذلك القيادة السياسية للشعب الفلسطيني اتخذت من تسمية "اللجنة العربية العليا" عنوانا لها أما الأحزاب فكان واضح في تسميتها التأكيد على هويتها العربية أو الإسلامية: الحزب العربي الفلسطيني، الحزب الوطني العربي، جماعة الإخوان المسلمين، حزب الاستقلال العربي، حزب الإصلاح العربي، حزب مؤتمر الشباب العربي، كتلة القوميين العرب، جمعية الشبان المسلمين.. وكذلك كان لحضور معاني القداسة الدينية للقدس وبيت لحم والخليل وأكناف بيت المقدس والثقافة الإسلامية بما فيها من تاريخ صراع الأمة ضد الغزوات الخارجية أثرا بالغا في حضور حس الانتماء البالغ للأمة الإسلامية و كان لهذا الأثر البالغ في تشكيل أفكار المشروع الفلسطيني لتحرير فلسطين.. ولقد شاهدنا تنظيمات سياسية فلسطينية عديدة تتوزع على عنواني العروبة والإسلامية حتى حركة فتح وهي أكبر فصيل وطني فلسطيني كان يتطلع الى الجماهير العربية منظمة ومسلحة على اعتبار ان ذلك عمقا استراتيجيا ضروريا في مواجهة الكيان الصهيوني وأنه لا تحرير لفلسطين بدون الإسناد العربي والإسلامي بل أكثر من ذلك أن عملية التحرير او التسوية أصبحت محالة الى الموقف العربي قوة وضعفا.. وهكذا ظل العقل الفلسطيني كلما اشتعلت حرب مع الكيان الصهيوني مشدودا بنسب مختلفة نظرية الإحالة الى الخارج العربي والإسلامي، ولقد كانت بعض الفصائل الفلسطينية عبارة عن امتداد أيديولوجي وسياسي لهذا النظام العربي و الإسلامي او ذاك.. لم تكن هذه ثقافة على صعيد الشعور الشعبي فقط بل هي ممتدة و متكرّسة في قواعد التفكير السياسي الفلسطيني.. وهنا نكون قد اقتربنا من تشخيص أحد أخطر المعطلات للفعل الفلسطيني.. والموضوع تشوبه حساسيات بالغة وحسابات دقيقة، وأسرع الى القول ان المطلوب هنا ليس التخلي عن العمق العربي والإسلامي!! إنما النقاش يدور في مساحة أخرى.

بداية يجب أن يدرك الفلسطينيون ان اكبر نقطة خلل في وعيهم تلك المتعلقة بترتيب أولويات العمل حيث كانوا دوما ينظرون الى العرب والمسلمين على ان عليهم دورا أساسيا في التصدي للكيان الصهيوني جنبا لجنب الفلسطينيين أو على الأقل بالإسناد على اعتبار انه خطر على العرب والمسلمين فضلا عن كونه خطرا على القدس والأقصى والأرض المباركة. وهذا الفهم يعبر عن تجاوز ما يمر به العرب والمسلمون من تخلف وتبعية وتناحر.. فكما أن الفلسطينيين يخوضون عباب التحديات فإن الشعوب العربية جميعها تعيش تحديات خطيرة تمس كيانها وهويتها وثرواتها وكرامتها.. ويكون ذلك الوعي المنبثق عن تلك الأحاسيس والمشاعر دفعهم الى كيفية معينة في التعبئة والتوظيف لطاقاتهم، ومن هنا يكبر عتب الفلسطينيين على العرب والمسلمين لعدم نهوضهم بالواجب نحو اخوة العقيدة والدم.. فيما تكابد شعوب العرب والمسلمين ألمها ومعاناتها وإحساسها بالعجز والتقصير وأخطر من ذلك عدم قدرتها على التفكير خارج إطار الصندوق المودع لدى الأنظمة والأحزاب الخاضعة لتسلط النظام الدولي وصندوق النقد الدولي و المصالح الخاصة.. والشعوب جميعها تقع في سجن كبير من قبل أنظمة يتم التحكم فيها ترغيبا أو ترهيبا من قبل الأمريكان والغرب، وهذه الشعوب تخوض حروبها بصمت وقهر ضد الجوع والحرمان من الحريات والثروات ومسلسلات التمييع والهامشية.. أما الأنظمة فهي لم ولن تغامر بأي موقف حقيقي للمشاركة في تحرير فلسطين وهي منشغلة بمعطيات أخرى أخفها أنها ترى في عدم خيانة مقاومة فلسطين غاية ما تستطيع.. لهذا يجب أن يتخلص الفلسطينيون من البحث عن دور ايجابي للنظام العربي والدول الإسلامية وان لا يجعلوا ذلك ضمن إستراتيجيتهم المقاومة.. وبشكل صريح يجب أن لا ينتظر الفلسطينيون دور الشعوب العربية والإسلامية والاحزاب الإسلامية في هذه المرحلة لانها بكل وضوح فرض عليها العجز والحصار في قوتها وإمكانية فعل شيء خارج المرسوم لها.. من هنا يكون الحديث عن قومية المعركة او إسلاميتها من الناحية العملية أمر غير واقعي وهو الى الأحلام والأمنيات أقرب.. ثم انه يفترض ان العرب والمسلمين أنهوا معالجة قضاياهم وأنهم في حالة صحية تؤهلهم لنجدة فلسطين ومقاومتها وهذا أمر غير واقعي. يجب أن يتحرر الفلسطينيون من وهم قدرة الانتماء على تحريك الشعوب والاحزاب العربية في هذه المرحلة.. ويجب أن يدركوا أنه كما أن الله اكرمهم بالمكان الاستثنائي فلابد أن يبدعوا في الدفاع عنه بإستراتيجية تستوعب طاقتهم.
تفعيل الكل الفلسطيني:
الفكرة الأولى: لم يكن دفع المقاومات الفلسطينية على مدار سنوات النكبة منشغلا بتوفير عناصر المقاومة العنيفة ضد الاحتلال بمقدار انشغاله في التمثيل السياسي للقضية الفلسطينية ظنا بان المعركة تتركز على شقها السياسي وكأن العالم الغربي ان رأى ممثلين للشعب الفلسطيني سيسير في طريق تسوية سياسية وللحرص على هذا الجانب من العملية انشغلت المقاومات الفلسطينية كثيرا بمسائل سياسية اندفعت فيها لمعارك جانبية استنزفتها على الفلسطينيين أن يدركوا أن كل ما مضى من كفاح وعبر قرن رغم عظيم تضحياته وعظيم بلائه وحضور رجال كبار وزعماء شرفاء فيه الا انه دون مستوى تحرير فلسطين.. انه عبارة عن هبات نضالية ومحطات تصغر أو تكبر بنسب معينة حتى وصلت الى هذه الملحمة الرهيبة منذ 7 اكتوبر حيث يمكن اعتبارها المعركة الاولى بهذه الصفة منذ نكبتنا الاولى 1948، ولهذا ينبغي ان ندرك ان العقل الفلسطيني بعد هذه المرحلة يرى بان القادم يجب أن يكون حاسما كبيرا شاملا وقد أعد له عدته..
الفكرة الثانية التأسيسية انه لابد من تفعيل الكل الفلسطيني الذي يبدو ان شللا قد أصاب أجزاء منه في أماكن حساسة، هذه الفكرة هي التي تميز المشروع الوطني القادم.. فالفلسطينية ليست جغرافيا الوالدين والابناء فقط انما هي قبل كل شيء انتماء لقضية مصيرية وجودية وعطاء كامل وواجب والتزام. وهي أول نتائج طوفان الأقصى والملحمة الأسطورية.. انه لابد من تفعيل الكل الفلسطيني بدل انتظار البعض العربي والاسلامي فالمعركة الدائرة اليوم هي بين خمس الشعب الفلسطيني وغزة منه بشكل خاص وكل اسرائيل وخلفها الامريكان والانجليز والالمان وبعض الحكام العرب.. وهذا الخمس لايزال يقاوم منذ 11 شهرا.. وهنا تشير فكرتنا التأسيسية الى الجزم بانه لابد ان يجد اربع أخماس الشعب دوره في الملحمة وان تتطور الأدوات لاستيعابه بكل ما يلزم لتنفيذ عملية التحرير.. لابد من تفجير طاقة الفلسطينيين في الضفة والاردن وسورية ولبنان حيث اكثر من سبع ملايين فلسطيني وفي مرحلة لاحقة فلسطينيي الداخل.
في الأردن اكثر من 3مليون فلسطيني بالقرب من اطول حدود مع فلسطين والاف من شبابهم ينتسبون للحركة الاسلامية صاحبة العلاقة العضوية مع المقاومة في غزة... ويحتلون مواقعا متقدمة في المجتمع.. ومن هؤلاء ذهب عشرات أو مئات او أكثر للقتال نجدة للأفغان ابان حربهم مع السوفييت والى سورية للانضمام للحركة الاسلامية هناك ضد النظام السوري.. وهي لحتى الان وبعد 11 شهر لم تقم بأدنى حدود الواجب نصرة لشعبها وحركتها في الداخل.
في أمريكا في شيكاغو 300 الف فلسطيني يعاقبون بايدن وهارس لأنهم مشاركون في الحرب على غزة.. يحاول بايدن وهارس كسب مودتهم.. ويحسب لهم حساب حقيقي في نتائح الانتخابات الامريكية .. يخرجون الى الشوارع والمهرجانات يحاصرون هارس ويفرضون عليها الخضوع للقائهم والاستماع اليهم ويشترطون وقف العدوان على غزة.. ولازال فعلهم يضغط على بايدن والديمقراطيين كما لم يضغط على الأمريكان أحد من الأنظمة العربية والاسلامية.
وفي الاردن تمر الشاحنات أمام اعين الفلسطينيين محملة بالغذاء قادمة من الإمارات ومن السوق المحلية متجهة إلى أسواق الكيان المعتدي ولا تجد من يعطل مسيرها أو يلقي عليها بصاقه، ولا يحركون طرفا ضد سفارة العدو وحلفائه التي ترفرف اعلامها في عاصمة عربية يسنكها الفلسطينيون بالملايين..وفي الاردن شركات محلية مملوكة لصهاينة باسماء عربية واخرى تزود العدو بالغذاء هذا في حين يبادر الاحرار في العالم في امريكا واوربا وامريكا اللاتينية بقطع العلاقات مع الكيان في مجالات عديدة.. كولومبيا تقطع الفحم عن الكيان الصهيوني وتوقف كثير من الجامعات الغربية علاقتها مع الكيان الصهيوني، فيما الاردن يزوده بشتى انواع الخضروات والخوف ان ترجع بعض تلك الشركات لفلسطينيين .. ولن نستعرض انواعا اخرى من التعاون لكي لا يزيد حجم العار..
ترى هل يستمر عجز أهل الأردن والفلسطينيين منهم بشكل خاص، والى متى.؟ بعض هؤلاء الفلسطينيين لا يخرسون ويهربون بعجزهم مخزيين بل يتطوع يلوم المقاومة على بطولتها وتهورها ورجالها المجانين عن طريق اللطيمة والتباكي المخادع والحرص الكاذب على ارواح الناس.
بناء على هذه الأفكار الأساس الباعثة للحياة والعمل يجد الفلسطينيون أنفسهم مدعوين الى ان يفعلّوا -في خطة واستراتيجية وبرامج- الكل الفلسطيني لاسيما الكتلة الكبيرة في الاردن والضفة وغزة والداخل وفي لبنان وسورية وبقية العالم وذلك في مناشط الكفاح المتنوعة والعملية بمنهجية التصادم المباشر مع المحتلين الغزاة وهي مهمة لا تكون اختيارية وتطوعية بل هي الالتزام الذي يكون دونه خذلان وخيانة.
كلمة ضرورية:
ان طرح القومية والاسلامية كايديولوجيا امر مضلل في هذه المرحلة من مراحل النضال الفلسطيني، ومناقشة هذا الطرح كان يمكن ان نكتفي بالاحالة الى الترايخ القريب وكيف تعامل القوميون الايديولوجيون وكذلك الحركات الاسلامية مع حرب الابادة على غزة.. كما أنه لابد من القول ان مشروع الكفاح الوطني بالمنطلقات التي ذكرنا لا يتصادم او يتعارض مع المشروع العربي الحضاري، بل هو محاولة ايجاد قاعدة قوية متماسكة حقيقية تقوم بواجباتها بجدية وفاعلية تكون عبارة عن توفير احد اضلاع المستقبل العربي وزيادة على ذلك توفير المناخ الصحي لتولد الافكار في الوطن العربي والعالم الاسلامي من اجل انجاز اهداف شعوبنا العربية وامتنا الاسلامية..
وغني عن القول ان الفلسطينيين في كفاحهم لن يستغنوا عن دعم معنوي ومدد مادي عربيين واسلاميين ولكن سيكون كفاحهم مستوعبا طاقتهم وكلهم ومتقدما نحو فرض المعركة على العدو.. كما يقوم المشروع الحضاري في الأمة على هدي من نور الملحمة الفلسطينية باكتشاف نفسه ومرتكزاته وخطواته وخطته.. والله غالب على أمره

اخر الأخبار