في مواجهة الصدمة بالتصريحات.. هل يصمد العرب؟
صالح عوض
أمد/ إنّ التغير في نهج الهيمنة الأمريكية على مسرح الأحداث العالمية يدعونا الى التفكير جيدا في مآلات ذلك في الوضع المحلي والإقليمي والدولي.. فلئن حاولت سياسة الولايات المتحدة سابقا إضفاء صفات قانونية على تدخلاتها العسكرية في العالم فهي الآن في حلّ من ذلك، وقد ألقت بالقانون الدولي خلف ظهرها.. وهنا لابد من مناقشة الأسباب العميقة لمثل هذا التغير ثم ما هي الأدوات التي ستستخدمها في المراحل القادمة لاسيما في التعامل مع قضايانا لاسيما القضية الفلسطينية.
النظام الدولي يتهاوى:
نشأ النظام الدولي بعد إسقاط الإمبراطوريات في العالم وإنهاء سيطرة الدول على مرجعياتها المالية وربط المال في العالم بالدولار، وعلى أرضية ذلك تمكنت القوة المالية العظمى في العالم من الهيمنة بشكل أو آخر على ثروات العالم ولقد كانت العصابة المالية المتحكمة هي من أنشأ النظام الدولي بصيغته المعروفة لتحقيق أهدافها بشكل قانوني.. الا ان النظام الدولي اضطر الى الإفصاح عن حقيقته والكشف عن طبيعة أهدافه ففقد سلطانه الأخلاقي والسياسي وهذه أكثر الحقائق والاستنتاجات التي برزت جراء العدوان الصهيوأمريكي على غزة شعبا وبيوتا على مدار 16 شهر وقد فقد القدرة على النفاق والتضليل الذي مارسه عشرات السنين الأمر الذي هزّ الوجدان الإنساني وأزاح الغشاوة عن أعين الكثيرين في العالم.. في واقع الحال ان النظام الدولي استنفد مهماته الكبيرة بواسطة المنظمات والقوانين بعد الانتصارات التي تحققت في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية في تكريس تقسيم العالم على دول وكيانات وتكبيلها بواقع يحرمها من ممارسة سيادتها ويربطها بصندوق النقد الدولي و يفرغها من هويتها، وكانت بلاد العرب أكثر المناطق في العالم تأثرا بسياسة النظام الدولي حيث اجتمعت علينا جملة معقدة مكبلة لأي جهد: "التجزئة والتبعية والعلمنة واغتصاب فلسطين"..
إلا أن التغير الحاصل في نهج الولايات المتحدة يعني بوضوح ان هناك دوافع عديدة أفقدت العصابة التوازن والقدرة على استمرار اللعبة فبروز قوى اقتصادية دولية ونهوض الشعوب وتوسع تيار الوعي كل ذلك يحاصر أدوات النظام الدولي المتحكمة وأهمها صندوق النقد الدولي ومرجعية الدولار..وهنا لا يمكن اعتبار المواجهة التي أعلنها الأمريكان ضد محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات وتفرد الأمريكان بالسيطرة على مجلس الامن الدولي وتهميش المنظمات الدولية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين إلا بداية انهيار المنظمات الدولية التي لم تعد تؤدي دورها تماما كما كان مناطا بها عند إنشائها عقب الحرب العالمية الثانية.
ان يصل الحال بالرئيس الأمريكي إلى القول انه بسلطة الولايات المتحدة الامريكية سيمتلك قطاع غزة ويغير ملامحه ويهجّر سكانه فهذا يعني بوضوح أن الإطار الشكلي للمنظمات الدولية سقط نهائيا لتنفلت القوى المهيمنة على القرار الدولي للتحرك في اتجاهات عديدة في محاولة لصياغات جديدة للخرائط السياسية والوقائع على الأرض وهكذا لن يكون لأشكال النظام الدولي السابق أي جدوى في المرحلة القادمة..
لكن لابد أن نتذكر جيدا ان عصابة المال المتمثلة بالعائلات المتحكمة في ملكية الشركات العملاقة والثروة الفائقة في أمريكا -والتي يمثل اليهود نسبة كبيرة منها- هي من أسّس ويشرف على النظام الدولي ويسيطر عليه ولعلها الآن في عملية تفكير عميق لاستبدال الأدوات والمنهج وقد بدأت بالفعل بعد ان برزت قوى اقتصادية عملاقة وطموحات دولية لبعض الدول الكبيرة تهدد سيطرة الدولار وصندوق النقد الدولي الأمر الذي دفع العصابة الى عدم الاكتراث بالمنظمات الدولية التي تشكل النظام الدولي بل وتجاوزها وذلك لنهج أسلوب اخر متفلّت من القانون والمرجعيات القانونية قبل ان ينفلت العالم من هيمنتها.
نظرية الصدمة بأدوات جديدة:
الهجوم بالصدمة هي خلاصة النظرية الأمنية الأمريكية تجاه الخصوم وقد تمثل ذلك في أكثر من مكان بحيث توجه القوات الأمريكية ضرباتها العنيفة بكثافة نيران رهيبة مستهدفة كل شيء في جبهة الخصم لإرباكه وإفقاده توازنه والإيحاء له بان لا فائدة من الصمود.. هكذا فعلت في أفغانستان والعراق، والآن تبرز نوعية جديدة من فلسفة الصدمة بعد أن فشلت الصدمة العسكرية الصهيوأمريكية في تهجير الشعب الفلسطيني من غزة او تحقيق أي نصر سياسي كبير..الان مع العهدة الجديدة للرئيس ترمب أصبحت الصدمة بالتصريحات والإعلام السلاح الأقوى بيد الإدارة الأمريكية.. من الملاحظ ان سياسة الصدمة الأمريكية لا تستخدم فقط ضد الشعب الفلسطيني بفتح باب جهنم عليه ان لم يخضع لرؤية ترمب.. ان الأمر يتعدى ليصل الى كل حلفاء أمريكا في أوروبا وكندا والهند بحملة من إجراءات استفزازية وأوكرانيا بتخل واضح عنها كما مع المنافسين الاقتصاديين كالصين.. ان سياسة الصدمة التي تدعو الى تبخر الشعب الفلسطيني من غزة والى إلحاق دولة كندا بالولايات المتحدة الأمريكية والسيطرة على قناة بنما و تسمية خليج المكسيك بخليج أمريكا هي منهج هجوم استطلاعي عنيف ولكن ليس هو نهاية الأمر بل قد لا يكون مقصودا بذاته فالأمريكان سيقبلون اقل منه.
التهديد الان بجعل من غزة سحابات دخان وان تصبح أرضها قاعا صفصفا وان يقلع أهلها من أرضهم بعد ان دمرت بيوتهم والقذف بهم في صحراء سيناء او صحراء الجزيرة العربية.. ولكن لعله من الواضح ان كلمات الصدمة والجو النفسي المصاحب لها ليس هو الحقيقة إنما هي الغارة النفسية التي يتم تحت سقفها التفاهم وبتأثير منها الوصول الى
لقد صبت الأسلحة الصهيونية المتنوعة جام نيرانها على شعب أعزل خلال 15 شهر.. كان القصف جنوني لم تشهده المنطقة ولم تجربه العصابات الصهيونية من قبل ضد اي بلد عربي.. فلقد كانت الضربة السريعة الصادمة احد عناصر العقيدة العسكرية الصهيونية الا انها استبدلت ذلك بالحرب الجنونية المتواصلة.. ولقد مثل الدعم الرسمي الغربي الكبير لاسيما الأمريكي المرفوق بضخ إعلامي ترهيبي ضخم أقصى حالات الصدمة منتهيا بتصريح ترمب انه سيفتح باب جهنم على غزة..
الآن نشهد مرحلة تصعيد الهجمة الإعلامية الصادمة بتصريحات رسمية خيالية حيث أصبحت كلمة جهنم مفردة طبيعية يتناولها قادة الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية في ظل فقدان القانون الدولي والمؤسسات الدولية أي دور وأي فعل وأي قدرة.. تأتي هذه الصدمة الإعلامية عنيفة فيما الشعب قد مر بأقسى مرحلة معاناة وضنك وقهر ومظلومية ظنا من صناع الصدمة ان أهل غزة سيقبلون ما يطرح عليهم او اقل بقليل وهكذا تكون الهجمة حققت أهدافها.
القمة العربية هل امتصت الصدمة:
هنا يجب أن نقترب من منهج التعامل بالواقع السياسي وليس بما نتمنى من نهوض عربي حقيقي.. فنحن في هذه المرحلة كما في كل مرحلة يجب ان نحسب قوتنا جيدا المهم ان لا نقبل بما يفرضه العدو وفي هذا الصدد لعل المقترح المصري حول الإعمار ورفض التهجير الذي صوت عليه الحكام العرب بالتأييد في مؤتمر القمة العربية يمثل الحد الأدنى الذي يقف ما قبل الانهيار التام.. وهو بلا شك موقف مهم وتأتي أهميته انه إجماع عربي رسمي ضد مقترح الرئيس الأمريكي الذي يتم الترويج له صهيونيا وأمريكيا بتهجير أهل غزة الى سيناء أو السعودية..
وبإمكاننا القول أن المقترح المصري حقق امتصاص الصدمة الإعلامية الأمريكوصهيونية.. وقفز عنها وجعلها رصاصة طائشة.. ورغم كل ما يمكن توجيهه من ملاحظات حول المقترح إلا انه يمثل ضربة إيقاف استراتيجي للهجوم السياسي الأمريكي.. ويجد هذا المقترح المصري دعما عربيا وأوربيا واسعا فلقد أكد الموقف الأوربي والأممي انه من غير المقبول او المسموح تهجير أهل غزة.. وهكذا يتبلور موقف عربي سيكون في مواجهة مقترح ترمب ويبقى ان يصمد العرب على موقفهم مهما كلف من ثمن.
ولعل ما يتم طرحه الآن فلسطينيا من استعادة حركة فتح وحدتها التنظيمية بعد إعلان الرئيس عباس العفو عن المفصولين من الحركة واستيعابهم مجددا في الحركة والدعوة الى التشارك السياسي مع بقية المكونات السياسية الفلسطينية في كل المؤسسات الفلسطينية من خلال انتخابات رئاسية وتشريعية يكون عامل قوة إضافية للموقف الفلسطيني وداعما حقيقا لتصليب موقف الثبات الفلسطيني.
كما أن الدعوة الى الإعمار واستيعاب الأوضاع المأساوية في غزة والاستعداد لذلك من خلال هيئة فلسطينية مهمتها فقط الإعمار والتهيئة لتوحيد السلطة على مناطق الضفة وقطاع غزة والسعي الى إيقاف التغول الصهيوني كل ذلك بلا شك هو عملية سياسية كبيرة تمتص الصدمة وتحرر صاحب القرار الفلسطيني من الإحساس بالوحدة والعزلة.
لقد فشلت صدمة القنابل والسلاح والتدمير.. وهاهي صدمة التصريحات الجنونية تبددها القمة العربية ومن هنا نكتشف من جديد وللمرة المليون ان فلسطين قضية عربية فكما هي سر الامن القومي العربي فهي كذلك لن تستطيع مواجهة الهجمة الشريرة الواسعة الا بمشاركات عربية وازنة.. صحيح ان حجمها ومضمونها ليس كما نرغب ولا كما هو مطلوب ولكن قليله أفضل من عدمه.. لعل صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته حددا النظام العربي خطا أحمرا في التعامل مع القضية الفلسطينية.. ولله الأمر من قبل ومن بعد
