حقيقة الإعلام.... ما بين الحياد والتأثير الممنهج
بشار مرشد
أمد/ في أروقة الجامعات، يُعلَّم الإعلام بوصفه سلطة رابعة، مستقلة، نزيهة، ومهمتها السامية هي كشف الحقيقة مهما كانت مُرة، ومساءلة أصحاب القرار، وبناء وعي عام حر. لكن ما بين قاعات المحاضرات وشاشات الواقع، هناك فجوة صارخة، لا يمكن تجاهلها.
ففي الواقع، الإعلام ليس كيانًا مستقلاً كما يُراد له أن يبدو، بل هو ـ في كثير من الأحيان ـ انعكاس مباشر للجهة التي تموّله. والتمويل في عالم اليوم ليس مجرّد دعم، بل أداة تأثير ناعمة، تحدد سقف النقد، وتضع الخطوط الحمراء، وتوجّه الزوايا التي يُسمح بتسليط الضوء عليها.
من السذاجة أن ننتظر من وسيلة إعلامية أن تهاجم مموّلها، أو أن تخرق مصالح من يدفع نفقاتها. الإعلام مؤسسة، والمؤسسة تحتاج موارد، ومن يملك الموارد، يملك الكلمة الأخيرة. ولذا، يصبح الحديث عن "الحياد التام" ضربًا من المثالية النظرية، لا يتماشى مع الواقع العملي.
ولعلّ أبرز صور هذا الانحراف تظهر في البرامج الحوارية التي تُسوَّق على أنها "منابر حرة" للنقاش، بينما هي في حقيقتها سيناريوهات مكتوبة، يُوزَّع فيها الدور بعناية. الضيوف يتم انتقاؤهم لا لإثراء الحوار، بل لتأدية أدوارهم في مشهد يخدم وجهة نظر محددة مسبقًا.
الاختلاف موجود، نعم، لكنه ضمن المساحة المسموح بها، لا أكثر.
ورغم كل ذلك، لا يجوز أن نحاكم "الإعلام" كمفهوم. فالإعلام في جوهره أداة، تمامًا كالقلم أو الورقة. لا مسؤولية على الأداة، بل على من يستخدمها. الكاتب، المحرر، الممول، والمخرج، هم من يتحملون مسؤولية المحتوى، لا الوسيلة المجردة.
وعبر التاريخ، استُخدم الإعلام في عمليات تأثير ممنهجة لتبرير ما لا يُبرَّر، وتجميل ما لا يُجمَّل. شُنّت حروب تحت غطاء "التحرير"، وفُرضت الهيمنة تحت راية "حقوق الإنسان"، وقُصفت شعوب بحجّة "الدفاع عن السلام". الإعلام كان – ولا يزال – الأداة التي تصوغ الشعارات البراقة، وتغطي بها الأهداف الخفية. بل إن بعض قادة تلك الحملات اعترفوا لاحقًا بأن ما قيل لم يكن إلا قناعًا لغايات أخرى.
في نهاية المطاف، لا يمكننا إنكار أثر الإعلام، ولا التغافل عن قوته في إعادة تشكيل العقول والتوجهات. لكن علينا دائمًا أن نتذكّر: الإعلام ليس مرآة للواقع كما يُروَّج، بل قد يكون في بعض الأحيان فرشاة تنفّذ تأثيرًا ممنهجًا بذكاء وهدوء.
ويبقى على المتلقّي دور لا يُستهان به؛ أن يقرأ ما وراء السطور، ويشكّك فيما يُعرض له، ويبحث عن الحقيقة بين الضجيج، لا داخله.
