المقاومة في حي الزيتون : قراءة أكاديمية في توظيف البساطة لمواجهة التكنولوجيا ..

تابعنا على:   15:26 2025-08-19

مروان صباح

أمد/ تتناول هذه الدراسة تجربة المقاومة الفلسطينية 🇵🇸 في حي الزيتون بقطاع غزة ، حيث تمكّن المقاومون من تحويل أدوات بسيطة ، مثل البطانية ، إلى وسائل فعّالة لمواجهة أحدث التقنيات العسكرية ، وعلى رأسها الكاميرات الحرارية  التى تطرح الفكرة مقارنة تاريخية بين هذه التجربة وتجارب حركات تحرر أخرى ، مثل الثورة الجزائرية 🇩🇿 وحرب فيتنام 🇻🇳 أو كوبا 🇨🇺 ، لتبيّن كيف عوّضت الشعوب الضعيفة عسكرياً افتقارها للتكنولوجيا بابتكار استراتيجيات تكتيكية غير متوقعة ، تماماً كما تسلط الضوء على البعد الثقافي والمعرفي للمقاومة ، معتبرة إياها نتاجاً لوعي جماعي وهوية حضارية ممتدة .

وبالفعل ، تُشكّل المقاومة الفلسطينية نموذجاً معاصراً لظاهرة قديمة في تاريخ الصراعات : قدرة الشعوب على تحويل ما هو بسيط إلى عنصر استراتيجي لمواجهة قوة عسكرية متفوقة ، ففي حي الزيتون ، برزت البطانية كوسيلة مقاومة غير متوقعة ، حيث تمكّن المقاومون من إستخدامها لحجب بصماتهم الحرارية أمام أجهزة الرصد المتطورة ، وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أنها تكشف عن تلاقي البعد التقني والبعد الثقافي ، وتعيدنا إلى تجارب تاريخية مشابهة حيث لعبت البيئة والأدوات اليومية دوراً حاسماً في كسر معادلات التفوق العسكري ، كيف يمكن تفسير توظيف البطانية كوسيلة تكتيكية في حي الزيتون ، وما أوجه التشابه بين هذه الاستراتيجية وتجارب تاريخية مشابهة كالثورة الجزائرية وحرب فيتنام ؟ .

ليست البطانية مجرد وسيلة للدفء ، بل أداة معقدة حين تُوظف في ظروف الحرب ، إذ إن كثافة نسيجها تحول دون رصد البصمة الحرارية للمقاوم ، مما يُربك الكاميرات الحرارية ويجعل المقاوم كياناً غير قابل للتعريف ، كما أن تراكم الغبار والرماد على سطحها يمنحها وظيفة تمويهية إضافية ، فتجعل المقاوم يتماهى مع محيطه الرمادي من الركام والدمار .

هذا السلوك الإبداعي لا يُعد استثناءً في تاريخ حركات التحرر ، بل يتقاطع مع أنماط مشابهة ، فقد اعتمد المجاهدون الجزائريون خلال ثورة التحرير (1954-1962) على التضاريس الطبيعية من جبال وكهوف لمواجهة الطائرات الفرنسية (العروي، 1996) ، وفي فيتنام ، بنى الفيتكونغ شبكة أنفاق معقدة ، واستعملوا النباتات والغطاء الأخضر لمقاومة الطيران الأميركي (كابلان، 2002). في كلتا الحالتين ، كانت الطبيعة والأدوات البسيطة بديلاً عن التكنولوجيا العسكرية المفقودة ، لا يقتصر الأمر على التمويه والتقنيات البدائية ، بل يتجاوز إلى مستوى ثقافي أعمق ، فالمقاوم في غزة يمتلك معرفة دقيقة بشوارع المدينة وأزقتها ، ويتحرك ضمن ذاكرة جمعية شكلتها سنوات الحصار والمقاومة ، كما أن خطابه المنضبط وانتقاءه للمفردات يعكسان بُعداً حضارياً يربط بين الفعل المقاوم وبين بناء هوية جماعية تسعى للحفاظ على الكرامة والوجود ..

إنّ تجربة حي الزيتون لا تختزل في مواجهة بين بطانية وكاميرا حرارية ، بل هي تجسيد لصراع أكبر بين إرادة الحياة واحتكار القوة ، وكما أجبرت الثورة الجزائرية فرنسا على التفاوض أو حتى ليبيا 🇱🇾 التى فرضت على الايطاليين المطالبة بالتفاوض ، وأرغمت حرب فيتنام الولايات المتحدة 🇺🇸 على إعادة النظر في استراتيجياتها ، فإن المقاومة في غزة قد تدفع إسرائيل بدورها إلى مراجعة سياساتها. لأن هذه التجربة تؤكد أن الإبداع البشري قادر دائماً على كسر معادلات القوة ، وأن البساطة حين تُوظف بوعي تصبح سلاحاً استراتيجياً في معارك غير متكافئة … والسلام

اخر الأخبار