تحركات النظام الإيراني في المنطقة.. سعيٌ للبقاء وسط الأزمات
د. سامي خاطر
أمد/ يواجه النظام الإيراني أزمات داخلية وخارجية متفاقمة، مما دفعه إلى التركيز على تعزيز أذرعه الوكيلة في المنطقة. عين خامنئي مؤخرًا علي لاريجاني أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو ما تجلى في زياراته الأخيرة إلى بغداد ثم بيروت لتنفيذ هذه الاستراتيجية. لفهم هذه التحركات، يجب أولاً استعراض الوضع الحرج للنظام.
على الصعيد الدولي، يواجه النظام تهديد تفعيل آلية "الزناد" من قبل الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا)، التي أعلنت أنها ستفعل هذه الآلية بحلول نهاية أغسطس إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي. هذا التهديد يثير قلق النظام لأنه يضيق الحصار الاقتصادي عليه. واعترف وزير خارجيته بأن "السناب باك كارثة... ستعود العقوبات على التسليح، ونصنف مجددًا كتهديد للسلم العالمي، مما يخلق تبعات قانونية وسياسية خطيرة". هذا الأمر عمّق الانقسامات الداخلية؛ خامنئي يأمل في مناورات دبلوماسية، بينما يدعو البعض للتفاوض وآخرون يهددون أوروبا بصواريخ بعيدة المدى. ويظل الإصرار على البرنامج النووي يزيد مخاطر الحرب.
داخليًا، الأزمات المعيشية تدفع المجتمع نحو الانفجار. اعترف الرئيس مسعود بزشكيان بأن "الماء، الكهرباء، الغاز، المال، التضخم... كل شيء مشكلة، ولا خيار لدينا سوى قطع الخدمات". لقمع الاحتجاجات المحتملة، لجأ النظام إلى الإعدامات المكثفة – 93 حالة في أسبوعين فقط – لكن هذا زاد من التوتر الاجتماعي. وحدات الانتفاضة هاجمت مراكز الحرس والباسيج في عدة محافظات، وفي سيستان وبلوشستان، نفذت جماعات مسلحة عمليات ضد قوات القمع. تشير تقارير مستقلة إلى أن الغلاء والنقص في الخدمات يغذي هذه الاضطرابات، دون حلول من النظام.
للتعويض عن هذه الضعف، يعتمد خامنئي على وكلائه الإقليميين، محاولًا منع نزع سلاح حزب الله وحفظ الحشد الشعبي في العراق. حذر دري نجف آبادي، وزير المخابرات السابق، من أن "خسارة سوريا كارثة، ونزع سلاح حزب الله أو حل الحشد الشعبي يتطلب يقظة كاملة".
في العراق، كانت زيارة لاريجاني تهدف إلى عدة أهداف: ضمان عدم استخدام الأجواء العراقية ضد النظام في حرب محتملة، تبادل المعلومات، وفتح الحدود للأنشطة العسكرية والاقتصادية. تم توقيع اتفاق أمني – أثار احتجاج أمريكا ووصفه العراق بتحديث تفاهم حدودي – لكن تفاصيله غامضة. وتشير تقارير إعلامية إلى أن العراق لم يملك الصلاحيات الكافية لتلبية كل مطالب النظام. ركز لاريجاني أيضًا على الالتفاف على العقوبات عبر تصدير النفط واستيراد بضائع ممنوعة عبر شركات وهمية، وزيادة التجارة. هدف آخر كان توحيد الأحزاب الموالية للنظام للسيطرة على الانتخابات المقبلة. استغل النظام مراسم الأربعين لتبرير وجوده، رغم أن الشعب الإيراني يقارن النظام بقتلة الإمام الحسين، وهدد الهیئات الدينية التي تنتقده. لكن نفوذ النظام في العراق تراجع، وتتطلب المواجهة دعم القوى الوطنية العراقية وفضح التدخلات.
في لبنان، الأولوية هي منع نزع سلاح حزب الله، الذي يعتبره النظام درعًا حيويًا. يرى النظام أن نزع السلاح سيفتح الطريق لهجمات مباشرة على إيران. زار لاريجاني لبنان لتنفيذ خطط الحرس: الضغط السياسي لتأخير قرار نزع السلاح، خلق الفوضى عبر عصابات إجرامية، مهاجمة مراكز أجنبية وعربية، والتهديد بضرب قادة سوريا الجديدة بطائرات مسيرة. السفارة الإيرانية في بيروت هي مركز القيادة. يستمر تمويل حزب الله عبر صرافات محلية، لكن دعمه الاجتماعي ضعف بعد انقطاع الدعم السوري. يدفع اللبنانيون ثمن هذه السياسات بتدمير اقتصادهم واحتلال أراضيهم. لكن التوازنات الإقليمية تغيرت، وأعلن الرئيس اللبناني للعربية: "رسالتنا لإيران واضحة: لا تتدخلوا في شؤوننا". يُقترح طرد السفير الإيراني، إغلاق السفارة، وحملات إعلامية لكشف المخططات.
في اليمن، دعم الحوثيين جبهة مربحة ومنخفضة التكلفة. الحوثيون تحت سيطرة الحرس، وتلقوا أسلحة ضخمة، مثل 750 طنًا من الصواريخ اكتشفتها الحكومة الشرعية. يستخدم النظام الحوثيين لإظهار القوة في المفاوضات. المواجهة المثلى هي دعم الحكومة الشرعية عسكريًا وسياسيًا؛ أي تردد يعزز نفوذ النظام.
مع ضعف النظام داخليًا، يزداد اعتماده على الوكلاء. الحل الأساسي هو إسقاط النظام بيد الشعب الإيراني، لكن بالتوازي، يجب فضح مخططاته إقليميًا، والتأكيد على نزع سلاح حزب الله – مطلب اللبنانيين – وحل الحشد الشعبي. حزب الله لم يقدم سوى الخدمة لخامنئي، وقمع اللبنانيين، وقتل السوريين؛ نزع سلاحه سيُنهي أيادي النظام الملطخة بالدماء.
