تصويتٌ تاريخيٌ في الجمعية العامة للأممِ المتحدةِ والتداعياتُ الدولية
عبد الخالق الجوفي
أمد/ في خطوةٍ تاريخيةٍ صوّتت الجمعيةُ العامةُ للأمم المتحدة بأغلبيةٍ ساحقةٍ بلغت 142 دولةً لصالحِ قرار منح فلسطين وضعاً متقدماً في الأممِ المتحدةِ كعضوٍ كاملُ العضويةِ فيما عارضت القرار 10 دولٍ بينها الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال فقط، وامتنعت 12 دولة... هذا التصويتُ رسالةً سياسيةً وقانونيةً قويةً تعكسُ عزلةَ إسرائيل المتزايدةَ على الساحةِ الدوليةِ بل وعزلةِ الولايات المُتحدة الأمريكيةُ أيضاً، وتأتي في أعقابِ خطاباتٍ ناريةٍ للعديد من الدول المصوتة بنعم.. فيما كانت كلماتُ مندوبُ الأردن وقطر والجزائر وباكستانِ في مجلس الأمن قويةً وتظهر أن العالم قد ضاق ذرعاً من الكيان المحتلُ والمدلل لأمريكا التي باتت تتعاملُ كشرطيٍ أوحد بالعالمِ ومتحكمٌ بكل شؤونهِ وأموره... كل ذلك لم يترك مجالاً للشكِ في استنكارِ المجتمع الدولي للسياساتِ الإسرائيلية.
تداعيات التصويت: ما وراء الأرقام
الأغلبيةُ الساحقةُ (أكثر من 81% من الدول الأعضاء) تعكسُ تحولاً جيوسياسياً عميقاً... لم يعد الصراع يُنظر إليه من خلال العدسة التقليدية للقوى الغربية فقط، بل أصبح صوت الجنوب العالمي، والدول النامية، وحتى بعض الحلفاء التقليديين للغرب، أكثر وضوحاً وقوة. هذا التصويت هو تتويج لجهود دبلوماسية فلسطينية مستمرة، ودليل على فشل الدبلوماسية الإسرائيلية في عزل القضية الفلسطينية.
الكلماتُ القويةُ لمندوبي الدول المصوتة لم تكن مجردَ خطاباتٍ عاطفيةٍ بل كانت تحليلاتٍ قانونيةٍ وسياسيةٍ دقيقةٍ، ورسمت بجلاءٍ صورةَ إسرائيلَ كدولةٍ مارقةٍ تتحدى القانون الدولي وتستخفُ بإرادةِ المجتمع الدولي.
في مواجهةِ العزلةَ المتزايدة
في أعقابِ هذا التصويت يواجهُ الكيان المحتلُ مفترق طرقٍ حاسمٍ، وخياراتهُ ستحدد مستقبلهُ في المنطقةِ والعالم:
1. تعميقَ العزلةِ والمواجهةِ (المسار المتشدد):
o رفضَ الواقعُ الجديد: قد تختارُ حكومة الكيانُ الصهيوني الحاليةُ أو القادمة التصعيدَ برفض نتائج التصويتِ ووصفهُ بـ "المنحاز" أو" المعادٍ للسامية" كالعادة في عدم الاكتراثِ لقرارات الشرعية الدولية التي تضرب بها عرض الحائط دائماً بحمايةٍ ورعايةٍ أمريكية، وقد يقترنُ ذلك بخطواتٍ عقابيةٍ مثلَ توسيعِ المستوطناتِ، أو حجبَ أموال الضرائبِ عن السلطةِ الفلسطينيةِ، أو حتى مواصلة العملياتِ العسكريةِ أحادية الجانب.
o التحالفُ مع المعارضين: التعاونُ الوثيقُ مع الدولِ القليلةِ التي عارضتِ القرارَ بقيادةِ الولاياتِ المتحدةِ لمحاولةِ لعرقلة أي تقدمٍ فلسطينيٍ على الأرض عبر استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلسِ الأمنِ أو فرضَ عقوباتٍ دبلوماسية.
o النتيجة المتوقعة: هذا المسارُ سيعمقُ عزلةَ الكيان الصهيوني المُحتلُ، ويجعلُها أكثرَ اعتمادٍ على العددِ القليلِ من الحلفاءِ الباقيين، ويعرضُها لمخاطرَ مقاضاتِها في المحكمةِ الجنائيةِ الدوليةِ والمزيد من حملاتِ المقاطعة.
2. إعادةَ التقييمِ الاستراتيجي (المسارُ العملي):
o قراءةُ الإشارات: قد يدفعُ التصويتَ الأطرافَ المعتدلة داخل المؤسسةِ الصهيونيةِ إلى إعادة حساباتها، فالعُزلةُ الدوليةُ تشكلُ تهديداً وجودياً للأمنِ القومي الإسرائيلي على المدى الطويلِ أكثر من أي تهديدِ عسكري برغمِ الحمايةِ الأمريكية.
o الضغطُ على القيادةِ: قد تدفعُ الدوائرَ الاقتصاديةَ والأمنيةَ (المخابرات) التي تُدركُ كُلفةَ العزلةِ نحو تغييرِ السياساتِ، أو حتى تغييرَ الحكومةِ القائمة وهو ما سيحملُ نتن ياهو على الاستماتةَ في البقاءِ بأي ثمنٍ حتى لو كان الانهيارُ التام.
o النتيجةَ المتوقعة: هذا قد يفتح البابَ لحوارٍ داخليٍ حول ضرورةَ استئنافِ عمليةٍ سياسيةٍ حقيقيةٍ، وإن كان ذلك سيتطلبُ تغييراً جَذرياً في التحالفاتِ الحكوميةِ الحالية.
3. الاستجابةَ للضغطِ الدولي (المسارُ التفاوضي - وإن كان ضعيفاً):
o خطواتٍ تكتيكيةٍ: قد تَضطرُ إسرائيل لتبني موقفاً أكثرَ مرونةً ظاهرياً لتخفيفِ الضغطِ كـ إطلاقِ مفاوضاتٍ جديدةٍ - من دون جدوى- أو تخفيفِ بعضَ الإجراءاتِ في الضفةِ الغربيةِ أو غَزة.
o النتيجةَ المتوقعة: لن تكون هذه الخطواتُ كافيةً لإقناعِ المجتمعِ الدوليِّ ما لم تكن جزءاً من خطةٍ شاملةٍ لإنهاءِ الاحتلالِ وإقامةُ دولةٍ فلسطينيةٍ ولكن ذلكَ لن يتأتى إلا ببقاء الضغط العربي والإسلامي بنفس القوة.
نقطة التحول
التصويتُ في الأممِ المتحدة هو أكثرَ من قرارٍ رمزي؛ إنهُ إعلانٌ بأن الوضعَ الراهنَ لم يعد مقبولاً... لقد حُوصرت إسرائيلُ دبلوماسياً في زاويةِ الدولِ المارقةِ التي تتحدى الإجماعَ العالمي، والقوةُ العسكريةُ والإمكاناتُ التكنولوجيةُ لم تعد كافيةً لتعويضِ الفقدانِ المُتزايدِ للشرعيةِ الدولية.
فالمسارُ الذي ستسلكهُ إسرائيلُ يعتمدُ على قدرتِها على قراءةَ خارطةَ العالمِ المتغيرة... فإما أن تختارَ طريقَ المواجهةِ والانعزالِ الذي يُفضي إلى مزيدٍ من عدمِ الاستقرارِ، أو أن تُعيدَ النظرَ في استراتيجيتها الأساسية وتعودُ إلى طاولةِ المفاوضاتِ بجديةٍ معترفةً بأن الأمنَ الحقيقيَ لا يتحقق بالقوةِ وإنما بالسلامِ والاعترافِ المتبادلُ وتحسين الصورةِ مع جيرانها... الكرةُ الآن في ملعبِ القيادةَ الإسرائيليةَ والشعبَ الإسرائيلي لاختيارِ مُستقبلهِم في منطقةٍ لم تَعد صامتةً على انتهاكاتِ القانونِ الدولي.
