حجيج أقباط مصر والحبيب الجفري..
كتب حسن عصفور/ لا يزال الحديث عن زيارة القدس وأماكنها المقدسة من العرب قضية سياسية جدلية بامتياز، فهناك من يرفض ذلك تماما أوصلها إلى درجة 'التحريم' الديني، كما فعل الشيخ القرضاوي وبعض فريقه السياسي – الديني، وهناك من يرى نقيضه تماما بأن زيارتها شكل من أشكال ' المقاومة' وحمايتها في وجه الهجمة التهويدية الشرسة التي تتعرض لها من قبل العنصرية – الفاشية الإسرائيلية، وهذا ما تراه السلطة ورئيسها ورجال الدين التابعون لها، ومعهم عدد من رجال الدين العرب ومنهم الداعية الإسلامي الحبيب الجفري الذي كسر كل الكلام وحضر برفقة أمير أردني لزيارة القدس، ما خلق جدلا واسعا حول صوابية الخطوة من عدمها..
وجاءت الأخبار التي تحدثت عن سفر مئات من 'أقباط مصر' إلى القدس للحجيج وزيارة أماكنها المقدسة، خاصة كنيسة القيامة بها، لتزيد حلبة النقاش والجدل بعدما أعادته زيارة الداعية الجفري، فسفر الأقباط فتح ملف 'فتوى' الأنبا الراحل شنودة، عندما حرم زيارة القدس إلا بعد تحريرها، فتوى دينية جاءت بعد توقيع 'كمب ديفيد' واعتبرت في حينه أحد أهم المواقف الدينية التي سجلت موقفا سياسيا ردا على تلك الاتفاقية، وكانت القيادة الفلسطينية وشعبها أكثر شعوب الأرض سعادة بتلك 'الفتوى' كونها تأتي لتخدم الكفاح الوطني الفلسطيني ضد المحتل.. وما إن انتشرت أخبار سفر مئات من أقباط مصر إلى القدس حتى تسارعت حركة التساؤل: هل انتهى مفعول فتوى الأنبا شنودة برحيله، وبالتالي سيكون بمقدور أقباط مصر الحجيج إلى المكان المقدس لهم..
وسرعان ما أعلنت أوساط في الكنيسة المصرية أن لا جديد على موقف الأنبا شنودة وما زال ساريا ولم يتغير، وهو ما انعكس على رفض ممثل الكنيسة القبطية في القدس برفض استقبال من أتى إلى القدس، موقف ديني لكن رسالته سياسية بامتياز.. موقف لا يتماثل مع الموقف الرسمي للرئيس عباس وبعض من رجال الدين العاملين في السلطة الوطنية، لكنه أيضا يؤكد دون أي التباس على عروبة القدس ورفضا صريحا لكل خطوات التهويد، وتكريس لمحاولة عدم استغلال الطغمة الفاشية الحاكمة في تل أبيب لزيارة دينية لأغراض سياسية تخدم مشروعهم الكلي، بأنها ستبقي 'أبواب القدس مشرعة ومفتوحة' أمام الزائرين إليها من كل 'الطوائف'، فجوهر الموقف الإسرائيلي التفاوضي بخصوص القدس كان يحاول تمرير تلك 'الخديعة'، ورغم ما يمكن أن تشكله حركة الزيارات العربية الدينية وغيرها للمدينة المقدسة، لكنها أيضا قد تساهم بشكل غير مباشر في تمرير 'المخطط الإسرائيلي' نحو القدس ومكانتها..
لو أريد حقا مقاومة المشروع التهويدي فهناك خطوات أشد إيلاما للمحتل ومخططه المباشر، بتشديد فعل 'المقاومة الشعبية' داخل القدس المحتلة أولا وحولها ثانيا، وتوسيع دائرتها في مختلف مناطق الضفة الغربية لتصبح هي السمة السائدة للمشهد الفلسطيني وليس حالة السكون والتهدئة الشاملة التي تحيط بالموقفين الرسمي والشعبي، كما البحث عن وسائل أن تصبح القدس المحتلة مزارا يوميا لآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني من سكان 48، وهم قادرون لو كان هناك تعاون حقيقي مع ممثليهم، وليس لقاءات في المناسبات والمهرجانات أو المصادفة، لأن يشكلوا جدارا واقيا لعروبة القدس وهويتها السياسية والدينية..
المشكلة ليس أن نفتح معارك جدلية حول جدوى الزيارة أم عدمها، فكل يملك بعضا من الصواب.. لكن الصواب العام هو أن يعاد للقدس روحها الكفاحية وإسنادها بكل ما هو ضروري لجذوة النهضة السياسية الوطنية التي تظهر وتختفي.. ومن يستمع لممثلي القدس من الأطياف كافة سيدرك أن المشكلة ليس في تحريم الأنبا شنودة زيارة القدس لأقباط مصر ولا في ما قاله الشيخ القرضاوي لاحقا له بسنوات.. لكن قبل كل ذلك أن يلمس المحتل قبل الشعب الفلسطيني أن هناك خطة وطنية لحماية القدس وهويتها الوطنية والدينية وأن المسألة 'خط أحمر' حقيقي وليس أحمر يزول بأول اتصال هاتفي من هنا أو هناك.. قبل الجدل عن تحليل الزيارة أو تحريمها .. أبيحوا حضور المقاومة الشعبية وهي وحدها كفيلة بتعديل المسار كافة.. ودون ذلك فالزيارات العربية لها في مرحلة السكون ستخدم المحتل دون غيره ..
ملاحظة: بعد أقل من 24 ساعة مضت على تصريح الرئيس عباس عن التعديل الحكومي الخاص، حتى دخلنا في رحلة نقاش التغيير.. محدود أم جذري.. أسابيع من 'التسلية' قادمة.. ذكاء قيادي لتغيير المسار..
تنويه خاص: مصر دخلت التاريخ باختراع سياسي جديد اسمه مرشح ومرشح احتياط لانتخابات الرئاسة.. شيء لا سابقة له .. 'إبداع' الحراك لا يتوقف..
تاريخ : 8/4/2012م
