انكسار عصا التحالف: مآلات إقصاء الزبيدي وهيكلة الصراع في جنوب اليمن..
د. صلاح محمد ابراهيم أبو غالي
أمد/ مقدمـــة:
زلزال عدن.. حين يكسر الحليف عصا الطاعة!
في لحظة فارقة من تاريخ اليمن المعاصر، لم تعد عدن مجرد عاصمة مؤقتة، بل تحولت إلى صفيح ساخن يغلي فوق فوهة بركان سياسي. إن القرارات الصادرة في يناير 2026 بإقصاء اللواء عيدروس الزبيدي وإحالته للتحقيق لم تكن مجرد إجراءات إدارية أو تغييرات في هيكل السلطة، بل كانت بمثابة "الرصاصة الأخيرة" التي أُطلقت على قلب اتفاق الرياض وشراكة الضرورة.
نحن اليوم أمام مشهد دراماتيكي بامتياز: قائد يرى نفسه "رئيس دولة" في عيون أنصاره، يتحول بقرار سياسي إلى "خصم ملاحق" في نظر شرعية هو جزء منها. إنها مقامرة كبرى تضع مستقبل الدولة اليمنية والتحالف الإقليمي في مهب ريح لا يمكن التنبؤ بمدى عصفها، فإما أن يكون هذا الإقصاء مدخلاً لترتيب بيت الشرعية، أو أن يكون الصاعق الذي سيفجر خارطة اليمن إلى أشلاء لا يمكن جمعها مجدداً.
1. التوصيف الحالي: من "صمام أمان" إلى "عقدة في المنشار"
لم يعد اللواء عيدروس الزبيدي مجرد عضو في مجلس القيادة الرئاسي، بل بات يمثل "هوية سياسية" متجذرة في الأرض والميدان.
تآكل الشرعية الهشة: إن إقصاء الزبيدي ينهي مفهوم "التوافق" الذي بني عليه المجلس الرئاسي في 2022.
الشرعية القانونية مقابل الشرعية الشعبية: بينما تستند القرارات الأخيرة إلى قوانين الدولة، يستند الزبيدي إلى قوة السلاح والقاعدة الشعبية العريضة في الجنوب، مما يخلق حالة من "ثنائية السلطة" التي تهدد بسقوط المؤسسات.
2. نقاط التحول (يناير 2026): الصدام الذي لم يعد مؤجلاً
الغموض المحيط بمكان وجود الزبيدي وتضارب الأنباء ليس مجرد حرب إعلامية، بل هو انعكاس لـ "أزمة ثقة عميقة" مع الحلفاء الإقليميين.
تصدع المعسكر الواحد: إحالة الزبيدي للتحقيق تعني أن الجسور قد أُحرقت تماماً مع الجناح المطالب بالانفصال، مما يدفع الانتقالي نحو "الخيار الشمشوني" (عليّ وعلى أعدائي).
سيناريو "الاحتكاك الخشن": وجود القوات الحكومية بجانب القوات الجنوبية في مناطق متداخلة يجعل من الشرارة الأولى مسألة وقت، ما لم تتدخل وساطات دولية فورية.
3. التداعيات المتوقعة: إعادة رسم خارطة الدم والنفوذ
أ. عسكرياً: "حرب الشوارع" أم "الانكفاء الدفاعي"؟
قد نشهد محاولة من المجلس الانتقالي للسيطرة الكاملة والمطلقة على المؤسسات الإيرادية والسيادية في عدن ولحج والضالع، مما يعني طرد ما تبقى من تمثيل للشرعية "الشمالية" أو "الاتحادية".
ب. سياسياً: رصاصة الرحمة على المفاوضات
هذا التصادم يخدم بشكل مباشر جماعة "الحوثي" في الشمال، التي ستراقب انهيار معسكر خصومها من الداخل، وقد تستغل الفراغ الأمني لتوسيع نفوذها باتجاه مأرب أو شبوة.
فك الارتباط الفعلي: قد يجد الانتقالي نفسه مجبراً على إعلان "إدارة ذاتية" كاملة أو إعلان الاستقلال من طرف واحد، كرد فعل وجودي على قرارات الإقصاء.
ج. إقليمياً: إحراج التحالف
تضع هذه التطورات التحالف العربي في موقف حرج؛ فاستمرار دعم "الشرعية" ضد "الزبيدي" قد يعني خسارة القوة الضاربة التي أوقفت التمدد الإيراني، ودعم "الزبيدي" يعني القضاء على حلم اليمن الموحد رسمياً.
🟩🔚 الخاتمــــة:
اليمن بين "مطرقة" الهيكلة و"سندان" التفكك
إن ما يشهده شهر يناير 2026 ليس مجرد إعادة لترتيب كراسي السلطة، بل هو عملية "تعديل جيني" في بنية الصراع اليمني، حيث انتقلت المواجهة من جبهات القتال التقليدية ضد الحوثي، لتصبح حرباً داخل "بيت الشرعية" نفسه. إن إقصاء الزبيدي في هذه اللحظة الحرجة يتجاوز كونه قراراً سيادياً؛ إنه بمثابة إعلان وفاة للصيغ التوافقية التي صمدت لسنوات تحت مظلة الضرورة الإقليمية.
نحن اليوم أمام سيناريوهين لا ثالث لهما، كلاهما يحمل طعم العلقم:
إما "القطيعة الكبرى": حيث يندفع المجلس الانتقالي نحو فرض واقع "الاستقلال الفعلي" على الأرض، محولاً عدن ومحيطها إلى كيان سياسي منفصل تماماً، وهو ما سيعني تحويل "الشرعية" إلى حكومة منفى مجدداً، لكن هذه المرة بلا ذراع عسكري يحمي طموحاتها.
أو "الفوضى الشاملة": حيث تتحول المحافظات الجنوبية إلى مسرح لتصفيات بينية، تستنزف القوى التي واجهت المشروع الإيراني، مما يمنح "صنعاء" فرصة ذهبية للانقضاض على ما تبقى من جسد الدولة المتهالك.
خلاصة القول؛ إن "عصا التحالف" التي انكسرت اليوم لن تُجبر بمجرد بيانات التهدئة، فالثقة التي تلاشت بين الشركاء خلقت فجوة سياسية قد تبتلع الجميع.
إن مستقبل اليمن الآن لا يُكتب في ردهات القصور السياسية، بل ستخطه فوهات البنادق في شوارع عدن ومنعطفات أبين.
فهل ندرك أن كسر "الزبيدي" قد لا يعني إخضاع الجنوب، بل قد يعني ضياع "البوصلة" التي منعت سقوط اليمن كاملاً في قبضة الفراغ؟! الأيام القادمة ليست مجرد اختبار لمرحلة الزبيدي أو للشرعية، بل هي الامتحان الأخير لوحدة المصير بين الداخل والخارج.
نحن الآن أمام تساؤل بات يقفز فوق كل السيناريوهات المتوقعة، ويبحث في مآلات الأحداث:
إذا كانت قرارات يناير 2026 قد نجحت في إزاحة 'شخص' الزبيدي لكنها أخفقت في احتواء 'مشروع' الانتقالي، فهل نحن بصدد ولادة نمط جديد من 'الدول الوظيفية' في الجنوب، تُدار بالوكالة الأمنية بعيداً عن شرعية الصندوق أو شرعية التوافق، أم أن انكسار عصا التحالف هو التمهيد الاضطراري لإعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية للمنطقة بما يتجاوز مفهوم 'الجمهورية اليمنية' إلى كيانات أمر واقع تحظى باعتراف إقليمي صامت؟!
ننتظر ما ستؤول إليه الأحداث ونرى...
