فتح في غزة: أزمة قيادة لا أزمة جمهور
سامي ابو لاشين
أمد/ هل ما زالت هناك فرصة لفتح لاستعادة دورها الريادي في غزة؟
السؤال في ظاهره استفهام، لكنه في جوهره اتهام صريح.
اتهام بالتقصير لا بالفشل، وبالتعطيل لا بالعجز.
نعم، ما زالت هناك فرصة.
ليس لأن الواقع سخيّ، بل لأن البدائل بائسة، ولأن غزة – رغم كل ما مرّ بها – لم تسحب تفويضها الوطني من فتح، بل علّقته بانتظار أن تعود الحركة إلى نفسها.
فتح لا تعاني أزمة قيم.
لا أحد يستطيع – بإنصاف – أن يطعن في تاريخها الوطني، أو في عمق علاقتها الوجدانية بالجماهير، أو في كونها الإطار الذي صاغ الهوية السياسية الفلسطينية المعاصرة.
أزمتها ليست في ماذا تمثل، بل في من يمثلها… وكيف.
المشكلة، وبلا مواربة، قيادية بامتياز.
على مدى سنوات، جرى تفريغ فتح من طاقتها الحقيقية عبر معادلة قاتلة:
معادلة الكوتة، وتبعنا، ومسكّر وبخصّنا.
حيث لم يعد معيار التقدّم هو التاريخ النضالي، ولا الكفاءة، ولا القدرة على الاشتباك السياسي مع الواقع،
بل القرب، والولاء، والقدرة على الصمت.
هكذا جرى عزل رجال فتح الحقيقيين:
مناضلون، كوادر ميدانية، شخصيات تحظى بثقة الناس، لا لأنهم أخطأوا، بل لأنهم لا يشبهون القوالب الجاهزة، ولا يجيدون لعب أدوار التجميل في مشهد متآكل. والنتيجة؟
حركة كبيرة تُدار بعقل صغير، وتاريخ ضخم يُختصر في أسماء لا تملك وزنه ولا شرعيته الشعبية. أما الحل، فليس معجزة، ولا انقلابًا، ولا صراع أجنحة. الحل يبدأ بخطوة واحدة جريئة:
أن تعترف فتح أن أزمتها ليست مع الشارع، بل مع ذاتها. أن تعيد الاعتبار لمعيار المناضل لا الموظف، ولصاحب الرأي لا صاحب الختم، ولمن يملك الجرأة على المواجهة لا المهارة في التبرير.
فتح لا تحتاج دمًا جديدًا بقدر ما تحتاج ذاكرة حيّة.
تحتاج أن تستثمر من تبقّى من رجالها الحقيقيين، لا أن تتعامل معهم كأعباء أو تهديدات.
أن تفتح أبوابها للنقاش الداخلي، لا أن تديره بالخوف والتخوين.
غزة تحديدًا ليست ساحة مستحيلة.
هي بيئة قاسية، لكنها صادقة.
ومن يملك فيها رصيدًا وطنيًا حقيقيًا، قادر على استعادته متى امتلك القرار والشجاعة.
وهنا جوهر المسألة:
القضية لم تعد إن كانت فتح قادرة على العودة، بل إن كانت مستعدة لأن تدفع ثمن هذه العودة. فاستعادة الدور لا تمر عبر البيانات،
ولا عبر الصور القديمة، ولا عبر اجترار أمجاد لا تعيش وحدها في الحاضر.
العودة تبدأ حين تتصالح الحركة مع من أبعدتهم، وتخشى صراحتهم، وتُعيد الاعتبار لمن يعرفون غزة كما هي، لا كما تُكتب في التقارير.
وإن لم تفعل،
فلن تكون فتح قد خسرت غزة، بل تكون قد اتخذت قرارًا صامتًا… بأن تبتعد عنها خطوة أخرى.
