ولا يحيقُ المكرُ السيّئُ إلا بأهله
محمد ناجي الهميس
أمد/ ما تعيشه كثير من بلداننا اليوم ليس قدرًا محتومًا ولا نتاج صدف عابرة، بل هو في جانبٍ كبير منه نتيجة تدخلات خبيثة وممارسات هدامة تقوم بها أطراف تسخّر إمكاناتها السياسية والمالية والإعلامية لدعم مليشيات خارجة عن النظام، تعمل على تقويض الدول من الداخل، وتمزيق نسيجها الاجتماعي، ودفعها نحو الفوضى والاحتراب والتقسيم. وقد طال هذا العبث دولًا كثيرة؛ من فلسطين الجريحة، إلى السودان المنهك، واليمن المثقل، وسوريا المنكوبة، وليبيا التي لم تهدأ جراحها بعد وكذلك الصومال وغيرها من الدول ..
إن هذه التدخلات لا تُبنى على حرصٍ أو رغبة في الإصلاح كما يُروَّج لها، بل على مكرٍ سياسي وأطماعٍ مكشوفة، غايتها إضعاف الدول، واستنزاف شعوبها، وتحويلها إلى ساحات صراع مفتوحة يسهل التحكم بها. يتم تغليف هذه السياسات بشعارات براقة، بينما حقيقتها خرابٌ منظم، وتفكيك متعمد، وزرع دائم لأسباب الفتنة والانقسام.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أليس من الأحرى القيام بعكس ذلك؟ أليس الأجدر بمن يملك القدرة والتأثير أن يقدّم العون الصادق، والمشورة المخلصة، والدعم الحقيقي الذي يسهم في نهضة هذه البلدان، ويحميها من التفكك والتشظي، ويُعينها على تجاوز أزماتها وبناء دول مستقرة قادرة على خدمة شعوبها؟ إن بناء الدول ودعم استقرارها هو الطريق الأقصر للأمن المشترك، أما هدمها فلن يجلب إلا مزيدًا من الفوضى التي لا تقف عند حدود.
إن من يمارس هذه الأعمال الشريرة، ويُضمر في الخفاء غير ما يُظهر في العلن، قد يظن أن مكره محكم، وأن نتائجه مأمونة، لكنه ينسى سنن التاريخ وقوانين العدل الإلهي. طال الزمن أو قصر، سيعود مكره عليه، وسيذوق من الكأس ذاته الذي سقى به غيره، وسيأتيه الخراب من حيث لا يحتسب، حين تتغير الموازين، وتنقلب التحالفات، وتنكشف الأقنعة.
وعندما يحين وقت السقوط، سيكون سقوطًا مدويًا، لا يجد فيه من يعينه أو يقف إلى جانبه، لأن من اعتاد التخريب لا يحصد إلا العزلة، ومن بنى نفوذه على أنقاض الآخرين لا يجد أرضًا صلبة يقف عليها حين تهتز. فالشعوب لا تنسى، والتاريخ لا يرحم، والحق مهما تأخر لا يضيع.
إن استقرار الأوطان ليس منّة من أحد، بل حق أصيل لشعوبها، وأي محاولة لاغتصاب هذا الحق أو الالتفاف عليه ستفشل عاجلًا أو آجلًا. فالدول تُبنى بالتعاون والصدق، لا بالمؤامرات والدسائس، وتنهض بالتكامل لا بالتقسيم، وتستمر بالعدل لا بالظلم.
ختامًا، تبقى الحقيقة الثابتة أن ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله؛ فمن زرع الفوضى سيحصدها، ومن أشعل نار الفتن سيكتوي بها، ومن راهن على خراب الآخرين سيسقط حين يدرك متأخرًا أن الشر لا يصنع مجدًا، وأن الباطل مهما طال أمده إلى زوال.
