الحركة الفكرية المسيحية–اليهودية تجاه فلسطين:دراسة لاهوتية استشرافية في الدين، الأسطورة، والسياسة
د. صالح الشقباوي
أمد/ لم يعد الصراع على فلسطين صراعًا سياسيًا أو جغرافيًا فحسب، بل غدا صراعًا لاهوتيًا–ثقافيًا عميق الجذور، تتحكم به تصورات دينية وأساطير خلاصية تشكل وعيًا جماعيًا غربيًا، خصوصًا في الولايات المتحدة. وتُعدّ الحركة المسيحية الصهيونية أحد أخطر التعبيرات المعاصرة عن هذا التداخل بين الدين والسياسة، حيث جرى توظيف اللاهوت المسيحي، وبخاصة البروتستانتي–الإنجيلي، في خدمة المشروع الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني وحقه التاريخي والإنساني.
أولًا: اليهودية كديانة مغلقة وفكرة “الشعب المختار”
اليهودية، من حيث بنيتها اللاهوتية الكلاسيكية، هي ديانة إثنية–قومية، تقوم على:
مفهوم العهد الخاص بين الله وبني إسرائيل
مركزية الشريعة (النَّاموس)
فكرة الاصطفاء الإلهي لشعب دون غيره
هذا الفهم أنتج تصورًا دينيًا مغلقًا للهوية والخلاص، مرتبطًا بالأرض والتاريخ والعرق، وهو ما انعكس لاحقًا في الفكر الصهيوني الحديث، وإن كان بلبوس علماني ظاهري.
ثانيًا: المسيحية وبولس الرسول – من الخصوصية إلى الكونية
جاء بولس الرسول ليُحدث قطيعة لاهوتية حاسمة مع حصر الخلاص في اليهود، فأسس لمسيحية كونية تقوم على:
الخلاص بالإيمان لا بالناموس
تجاوز العرق والختان والشريعة
فتح الرسالة المسيحية أمام الأمم
هنا تحررت المسيحية من كونها فرقة يهودية، وأصبحت ديانة إنسانية عالمية، ترى أن “الإنسان أخو الإنسان”، وأن المحبة تتجاوز النسب والدين.
ثالثًا: هل كان المسيح يهوديًا؟ قراءة لاهوتية دقيقة
نعم، وُلد يسوع الناصري في سياق يهودي تاريخي، لكنه:
لم يؤسس دعوته على الشريعة اليهودية
انتقد المؤسسة الدينية اليهودية
وبّخ أورشليم واعتبرها “قاتلة الأنبياء”
المسيح، لاهوتيًا، تجاوز اليهودية ولم يكن أسيرها، بل جاء ليكشف انحرافها عن روح الناموس، لا ليكرّسها كديانة خلاص نهائي.
رابعًا: الموقف الكاثوليكي – الكنيسة بدل شعب الله المختار
اللاهوت الكاثوليكي المعاصر، خاصة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، يؤكد:
رفض فكرة الذنب الجماعي لليهود في صلب المسيح
اعتبار الكنيسة هي “إسرائيل الجديدة الروحية”
نفي عودة دينية–لاهوتية لليهود إلى فلسطين
وبالتالي، لا تعترف الكاثوليكية بأي شرعية لاهوتية لدولة إسرائيل، وترى أن الوعد الإلهي تحقق روحيًا لا جغرافيًا.
خامسًا: البروتستانتية واليمين المسيحي – عودة الأسطورة
على النقيض، أعادت البروتستانتية الإنجيلية، خصوصًا في أمريكا، إحياء:
القراءة الحرفية للعهد القديم
الربط بين تهويد فلسطين وعودة المسيح
دعم إسرائيل كشرط لخلاص العالم
وهنا نشأت المسيحية الصهيونية التي لا ترى في فلسطين أرض شعب، بل مسرح نبوءة.
سادسًا: الأرثوذكسية – اكتمال الناموس وسقوط أورشليم
الكنيسة الأرثوذكسية ترى أن:
المسيح أكمل الناموس روحيًا
سقوط أورشليم نتيجة رفضها للمسيح
لا قداسة سياسية للأرض خارج المسيح
وبالتالي، فهي ترفض التوظيف الصهيوني للعهد القديم، وتتمسك بلاهوت الخلاص لا لاهوت الأرض.
سابعًا: ترامب والمسيحية الصهيونية – الدين في خدمة الجغرافيا
لا يمكن فهم سياسات دونالد ترامب دون إدراك:
تحالفه العميق مع اليمين المسيحي الإنجيلي
إيمانه السياسي بوظيفة إسرائيل اللاهوتية
نقل السفارة إلى القدس كفعل ديني رمزي
ترامب لم يتصرف كرئيس براغماتي فقط، بل كـأداة لاهوتية سياسية في مشروع مسيحي–يهودي يهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق تصور أخروي.
ثامنًا: نحو قراءة استشرافية
إن استمرار هيمنة اللاهوت الصهيوني ينذر بـ:
تعميق الصراع الديني
شرعنة التطهير العرقي باسم النبوءة
تحويل فلسطين إلى قربان لأسطورة الخلاص
في المقابل، فإن تفكيك هذا اللاهوت، وإعادة الاعتبار للمسيحية الإنسانية، يشكل شرطًا أخلاقيًا ولاهوتيًا لإنصاف الفلسطيني، لا كقضية سياسية فقط، بل كضحية لأسطورة دينية مدمّرة.
خاتمة
فلسطين ليست أرض معاد، بل أرض إنسان.
والمسيح لم يأتِ ليؤسس دولة، بل ليحرر الإنسان من العنف المقدس.
وأخطر ما يواجه العالم اليوم ليس الصراع على الأرض، بل تحالف اللاهوت مع السلاح.
