الأفعى والمفتري والكذَّاب

تابعنا على:   07:45 2026-03-11

د. يوسف الحسن

أمد/ كان لتأسيس منظمة الأمم المتحدة عام 1945، أثر بالغ في ظهور دبلوماسية جديدة لها أساليبها وفنونها، ومناوراتها وخطاباتها العلنية في القاعات المفتوحة. وقد ظهرت على مسرحها وجوه دبلوماسية لها حضورها المميز، وخطبها الجريئة المتدفقة والعنيفة أحياناً، وأخرى تحمل حكماً وأمثالاً وقصصاً ذات مغزى.
*يحضر إلى الذاكرة ما قرأته ذات يوم عن السياسي السوري فارس الخوري (ت1962)، الذي قاد وفد سوريا إلى تأسيس منظمة الأمم المتحدة عام 1945، وكان صاحب خطاب جريء وذكي، وقد دخل قاعة الجمعية العامة بوقار شديد، وجلس عمداً في مقعد المندوب الفرنسي، وحاول إقناعه بمغادرة المقعد، إلّا أن الخوري قام بإخراج ساعته من جيبه، وبدأ يعد الدقائق بصوت مسموع، غير آبه بصراخ الفرنسي، حتى وصل إلى 25 دقيقة، وقال: «سعادة السفير، جلست على مقعدك 25 دقيقة، فكدت تقتلني غضباً، إن سوريا تحمَّلت احتلالكم 25 عاماً، وقد آن لها أن تستقل».
*شاركت في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، أكثر من مرة، ضمن وفد الإمارات في اجتماعات الجمعية العامة، وظلت صور ومشاهد تاريخية لتلك القاعة الكبرى تدور في الذاكرة. أستحضر تواريخ سابقة، وبخاصة في الدورة الخامسة عشرة للجمعية العامة في عام 1960، التي حضرها عدد كبير من رؤساء الدول، بينهم ايزنهاور وتيتو ونهرو وسوكارنو وكاسترو ونكروما وجمال عبد الناصر والملك حسين وخروشوف وغيرهم.
كما تحضر صورة خروشوف، الزعيم السوفييتي، وهو يضرب بقبضته على المنضدة، أثناء سماعه خطباً تنتقد بلاده، ثم يخلع حذاءه الأيمن، ويلوّح به في وجهي المندوب البريطاني ومندوب الفلبين، وهما يهاجمان سياسة الاتحاد السوفييتي.
كما تحضر صور ومشاهد أخرى مثيرة، مثل مشهد معمر القذافي وهو يمزق ميثاق الأمم المتحدة في عام 2009، وصورة ياسر عرفات وهو يخطب قائلاً: «غصن الزيتون والبندقية، لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي» وكان ذلك عام 1974. كما تحضر صور وشخصيات أخرى، من المندوبين العرب، من بينهم جميل البارودي الذي كان مندوباً للسعودية، وكان خطيباً مفوهاً، يرتجل خطاباً متواصلاً لأكثر من ساعة، وقد أمضى نحو ثلاثين عاماً في الأمم المتحدة، وتوفي في عام 1979، وقد عاصر جورج بوش الأب حينما كان مندوباً دائماً لأمريكا في الأمم المتحدة. وروي عن البارودي هجومه الشديد على أمريكا، واصفاً إياها بأنها دولة بلا حضارة، وليس لديها سوى «الهامبورجر» (كان زمان يا بارودي).
*عُرف عن الروس، منذ نهاية الأربعينيات حتى اليوم، الميل إلى ذكر الحكم والأمثال والقصص ذات المغزى في خطبهم الطويلة، وبخاصة حكايات الثعالب الماكرة والحملان البريئة، وانتصار الخير على الشر، وبما يناسب اللحظة، أو دفاعاً عن موقف، أو غمزاً بخطاب مندوب آخر.
ويروى أنه في أحد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية عام 1949، كان المندوب البريطاني في زمن الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، قد ضاق ذرعاً بالقصص التي لم ينقطع المندوب السوفييتي عن سردها خلال الأعوام الأربعة الماضية، فقرر يوماً أن يتحداه، وينازله بسلاحه، وأن يروي قصة استعارها من الأدب الروسي الشعبي، المكتوبة على لسان الطيور والحيوانات. وقال: «يحكى أن أفعى مسكينة بائسة، يخشاها الناس ويهربون منها، واعتقدت أن مبعث خوفهم منها هو صوتها القبيح، فأخذت تتضرع إلى «الآلهة» أن تمنحها صوت عندليب، فتسلقت الأفعى شجرة، وأخذت تُغِّني أعذب الألحان، ولم يمض وقت طويل حتى تجمعت طيور الغابة، والتفت حولها مسحورة، وسألتهم: هل تكرهون صوتي؟ فقالوا لها: «كلّا، فإنك تجيدين الغناء كالعندليب، ولكن نصارحك بأن الرعب يساورنا، لما رأينا نابك وأنت تغنين.. لذا نرجوك أن تغني وأنت بعيدة عنا».
عندما سمع المندوب السوفييتي هذا الخطاب طلب حق الرد، وقال فيه، وفق ما ورد في مذكرات دبلوماسي عربي: «كان الأجدر بالمندوب البريطاني أن يروي أساطير إنجليزية، بدلاً من حكايات روسية، لم يدرسها جيداً، وسأروي له حكاية أكثر دلالة وأعمق مغزى». وقال: اجتمع يوماً «الأفعى والمفتري»، واحتدم النقاش بينهما، أيهما يتقدم على الآخر، فاحتكما إلى إبليس، الذي نظر في النزاع، ثم قال للأفعى: «أنت شريرة، ولدغتك قتَّالة، لكن نابك لا يؤذي أحداً من بعيد، غير أن لسان المفتري أفتك من نابك، ولا نجاة منه ولا مهرب، ويفوقك في الشر، وعليك أن تتنازلي له عن الأسبقية، وتفسحي له الطريق لكي يمر قبلك، ومنذ ذلك الوقت، كانت منزلة المفتريين تفوق منزلة الأفاعي في الجحيم، وفي الدنيا أيضاً.
*في دورة الجمعية العامة 80 عام 2025، كان نتنياهو يعتلي منصة الأمم المتحدة في نيويورك، وكانت القاعة تفرغ من عشرات الدبلوماسيين المنسحبين، وقد عكس ذلك حجم الغضب الدولي المتصاعد من سياسات «الإبادة الجماعية» التي مارستها الفاشية الإسرائيلية.
عرض نتنياهو خريطة بعنوان (اللعنة The Curse) وقال: «وصمة عار، على الدول التي تعترف بدولة فلسطينية».
وفي عام سبق، نشر خريطة ل «الشرق الأوسط الجديد» الذي يعمل على تحقيقه في إطار نظريته الاستيطانية والتوسعية «السلام والأرض معاً» ورؤيته لنفسه «أنه في مهمة تاريخية وروحية» واستخدامه «سردية الضحية» كحصانة ضد النقد، وهروباً من القانون الدولي.
تتكرر قصة الأفعى والمفتري، لكن بشكل اندماجي: الناب والافتراء ومعهما الكذب اللامحدود معاً.

عن الخليج الإماراتية

اخر الأخبار