رسالة القاهرة: الخليج أولاً
أمد/ في ظل تصعيد يهدد بتوسيع رقعة الحرب في الشرق الأوسط، جاء الاتصال الهاتفي بين الرئيسين المصري والإيراني ليعكس إدراك القاهرة لحساسية اللحظة الإقليمية وخطورة تداعياتها. فالمنطقة تقف اليوم أمام معادلة معقدة تتداخل فيها العمليات العسكرية مع محاولات احتواء التصعيد الأمريكي - الإسرائيلي ضد إيران، ومنع انزلاق الإقليم إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدوده.
في مثل هذه الأوقات، تصبح الاتصالات السياسية أكثر من مجرد مجاملات دبلوماسية؛ فهي رسائل سياسية محسوبة بدقة، تعكس مواقف وتوجهات، وتسعى في الوقت نفسه إلى التأثير في مسار الأحداث. من هنا يمكن قراءة التحرك المصري باعتباره محاولة مزدوجة تجمع بين تثبيت موقف واضح بشأن أمن الخليج، والإبقاء في الوقت نفسه على قنوات الاتصال مع طهران كجزء من سياسة احتواء التصعيد في الإقليم.
الموقف المصري في هذه الأزمة لا يخرج عن ثوابت راسخة في السياسة الخارجية للقاهرة. فمسألة أمن الخليج كانت دائماً جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي المصري، وهى قاعدة جرى التأكيد عليها في مختلف العهود السياسية، انطلاقاً من إدراك عميق بأن استقرار الخليج يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة العربية بأكملها.
لذلك لم يكن مستغرباً أن تحرص القاهرة على توجيه رسالة واضحة برفض أي اعتداء على دول الخليج، خاصة في ضوء التطورات الأخيرة التي شهدت هجمات إيرانية أثارت حالة من الجدل والغضب في الشارع العربي. فقد جاءت تلك الهجمات في توقيت بالغ الحساسية، كانت فيه دول الخليج تعلن بوضوح أنها لا تسمح باستخدام أراضيها في أي عمليات عسكرية ضد إيران.
هذا التطور وضع المنطقة أمام معادلة شديدة الخطورة، إذ بدا أن التصعيد العسكري يتسع بشكل قد يخرج عن السيطرة، في وقت لم تتحقق فيه الأهداف التي أعلنتها الأطراف المتحاربة عند اندلاع المواجهة. فبعد أسبوعين من العمليات العسكرية المكثفة، لا يبدو أن الحديث عن إسقاط النظام الإيراني أصبح واقعياً، كما أن القضاء الكامل على القدرات العسكرية الإيرانية لم يتحقق، رغم الضربات المتواصلة. بل إن استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية يعكس أن طهران لا تزال قادرة على المناورة عسكرياً، ولو في إطار ما يمكن وصفه باستراتيجية الاستنزاف.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب يفرض أعباء متزايدة على جميع الأطراف، سواء من حيث الكلفة العسكرية أو التداعيات الاقتصادية. فأسواق الطاقة باتت أكثر اضطراباً، وأسعار النفط مرشحة لمزيد من التقلب، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي كله أمام ضغوط جديدة.
هذه المعادلة تفسر إلى حد كبير الحراك الدبلوماسى الذي تقوده بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر ودول الخليج، في محاولة لتخفيف حدة التصعيد، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
القاهرة تدرك أن الحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران يمثل ضرورة في مثل هذه الظروف، فوجود خطوط اتصال مباشرة يتيح إمكانية نقل الرسائل وفتح مسارات للحوار في لحظات التوتر، وهو ما قد يسهم في منع سوء التقدير السياسي أو العسكري.
وفي الوقت نفسه، تسعى مصر إلى الحفاظ على توازن دقيق في موقفها، بحيث تجمع بين دعم الأشقاء في الخليج، والتمسك بخيار الدبلوماسية كأداة أساسية لإدارة الأزمات.
غير أن التحدى الأكبر في هذه الأزمة لا يتعلق فقط بتطورات الحرب الجارية، بل أيضاً بما يمكن أن تفرزه من تغييرات في خريطة التوازنات الإقليمية.
فى هذا السياق، تبرز أهمية التحركات العربية المشتركة، ليس فقط لاحتواء الأزمة الراهنة، بل أيضاً لضمان ألا يتحول العالم العربي إلى مجرد ساحة لمعارك الغير. فالواقع يشير إلى أن الصراع الدائر اليوم يجرى في جزء كبير منه بين مشروعين إقليميين متنافسين، في حين تجد الدول العربية نفسها في كثير من الأحيان في موقع المتأثر بهذه الصراعات أكثر من كونها طرفاً فاعلاً فيها.
ومن هنا ربما تكون اللحظة الراهنة فرصة لإعادة التفكير في شكل العمل العربي المشترك، وتعزيز التنسيق السياسي والاستراتيجي بين الدول العربية، بحيث تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها والتأثير في مسار الأحداث.
فى النهاية، قد تنتهى هذه الحرب بقرار سياسى مفاجئ يعلنه الرئيس الأمريكي في لحظة ما، كما حدث في صراعات سابقة. لكن ما سيبقى بعدها هو واقع إقليمي جديد، قد يحمل معه توازنات مختلفة وتحديات أكبر.
ولهذا تبدو التحركات الدبلوماسية، وفي مقدمتها التحرك المصري، جزءاً من محاولة أوسع لتقليل كلفة هذه المرحلة المضطربة، ومنع الشرق الأوسط من الانزلاق إلى فوضى إقليمية قد تدفع المنطقة كلها ثمنها. فالتاريخ القريب يعلّمنا أن إشعال الحروب أسهل كثيراً من إطفائها.
