إقرار الموازنة ومغالطات الخطاب

تابعنا على:   15:19 2026-04-02

عمر حلمي الغول

أمد/ عشية "عيد الفصح" اليهودي، وفي الثانية الأخيرة من الوقت المتاح، وبعد يوم ماراثوني طويل وعاصف مرر الائتلاف الإسرائيلي الحاكم أكبر ميزانية في تاريخ إسرائيل بقيمة 699 مليار شيكل لعام 2026، مساء أول أمس الثلاثاء 31 اذار / مارس الماضي، بأغلبية 62 صوتا مقابل 55 صوتا معارضا، في مناورة أعدت لها حكومة بنيامين نتنياهو جيدا خلال الأسبوع الأخير، التي أربكت المعارضة الإسرائيلية، وأدخلوها في الحيط بتصويتها لدعم المدارس الدينية بأغلبية 107 اصوات، رغم انها عارضت ذلك على مدار الأشهر الماضية. وشهدت جلسة الكنيست اتهامات حادة بين الموالاة والمعارضة، والأخيرة أكدت أن ما صودق عليه ليست ميزانية حرب، بل عقد شراء ولاء الحلفاء السياسيين من الأحزاب الارثوذكسية المتطرفة، التي كانت في البداية معارضة لها، وأعلنوا انهم لن يدعموها دون احراز تقدم في التشريع بإعفاء الحريديم من التجنيد.
ولجأ الائتلاف الحاكم، وخاصة وزير المالية بتلئيل سموتريش لاستخدام خطابا هجوميا على المعارضة، عنوانه ربط التصويت ب "الوطنية والأمن"، أي أنه وضعهم في خانة الاتهام بالخيانة، وقال قبل التصويت "اننا نمرر هذه الميزانية في ظل حكومة يمينية ستكمل ولايتها بالكامل (حتى شهر تشرين اول / أكتوبر القادم) وتنجز مهمتها في الأمن والاقتصاد وإصلاح النظام القضائي." وتحت ذريعة "الضرورة الأمنية" ومواجهة "الخطر الإيراني"، تمكنت الحكومة من تمرير زيادة تاريخية لوزارة الجيش بلغت 20% من كامل الموازنة، بيد ان هذه الأرقام غير المسبوقة لم تحجب الرؤية عن الرشوة الخفية التي مُنحت للأحزاب اليمينية المتطرفة لكسب صمتها، وعدم معارضتها للميزانية، بهدف بقاء واستمرارية الحكومة.  
وبعد نجاح حكومة نتنياهو في تمرير الميزانية، وصف يئير لبيد زعيم المعارضة، بأن ما تم "أكبر عملية سرقة"، كما حذر رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق نفتالي بينت من "سطو ليلي" على مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي، وطرح سؤالا هاما: هل تخدم هذه المليارات "أمن إسرائيل القومي"، أم انها مجرد "حصانة مالية" اشتراها نتنياهو ليؤمن بها مقعده في رئاسة الوزراء وسط أعنف العواصف التي تمر بها اسرائيل؟
وعلى إثر فوز الحكومة بالبقاء حتى نهاية ولايتها، أعد رئيس الوزراء نفسه لإلقاء "خطاب نصر" مليء بالمغالطات، وادعى انه حقق 10 إنجازات بالتعاون مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران، واولها انه جر واشنطن الى الحرب، وهذا ليس صحيحا، لأن الإدارة دخلت الحرب بقرارها ونتاج الحسابات الجيوسياسية الاستراتيجية عشية تشكل المنظومة العالمية متعددة الاقطاب، ليس هذا بل أنه اقحم دولا عدة في الإقليم في دوامة الحرب؛ وأضاف أن إسرائيل تبني تحالفات جديدة في المنطقة ضد التهديد الايراني، ورغم تورط العديد من الدول بالحرب، الا ان ذلك لن يكون لصالح إسرائيل. وادعى أن "النظام الإيراني سيسقط عاجلا أم آجلا"، وازال "تهديدين وجودين" هما الأسلحة النووية وعشرات الالاف من الصواريخ البالستية، وتجاهل ما كان طرحه في اليوم الأول للحرب من تغيير النظام الفارسي، الذي لم يشر له في الخطاب، واستعاض عنه باستخدام مفهوم "إضعاف" إيران وحلفائها، وأسقط "خطرهم الوجودي" على دولته اللقيطة، وبات هدف تغيير النظام مؤجلا، حيث أعتبر في تصريحات سابقة، ان هذا الهدف مسؤولية الشعب الإيراني، وبالنسبة لحلفاء طهران، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان، الذي كان أعلن بعد عملية البيجرز واغتيال الأمين العام للحزب حسن نصرالله وخليفته هاشم صفي الدين وغيرهم من قيادات الحزب، في تشرين ثاني / نوفمبر 2024، أي قبل 18 شهرا، من انه أدخل الحزب في حالة موت كلينيكي، ولم يعد يشكل خطرا على إسرائيل بعد أن "جثا على ركبتيه"، وزعم أن حلفاء ايران تم "تحطيمهم"، وأردف متناقضا مع ما ذكره قائلا: بأنه "لا تزال لديهم بعض القدرات المتبقية، لكنهم لا يستطيعون تهديد وجودنا"، الا ان الوقائع الماثلة في المشهد اليومي تقول عكس ما جاء في كلمته المسجلة. وأضاف انه تمكن من إقامة "أحزمة أمنية مشددة على طول الحدود في غزة وسوريا ولبنان." مع أن الوقائع القائمة في المشهد، تشير الى عكس ما ذكره وتفند مزاعم ملك الكذب وقلب الحقائق الإسرائيلي.
كما انه ادلى بأكثر من تصريح أول أمس الثلاثاء عن فصل المعركة في لبنان عن إيران، واجتر نفسه بالقول، أن "وقف إطلاق النار في لبنان يجب ان يكون قرارا مستقلا من إسرائيل." وهو ما يعكس خشيته من ان يلجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإبرام اتفاق غير متوازن مع إيران ولصالحها، او بدون اتفاق، مما يضع إسرائيل وحكومة نتنياهو منفردة في مواجهة إيران وحلفائها، مما قد يدفع الدولة اللقيطة الى خيار وقف الحرب. وبالتالي لن يواصل الحرب على لبنان الشقيق، لتكريس الفصل بين نظام الملالي وأداتها الهامة في لبنان.
رغم أن ائتلاف نتنياهو نجح في تمرير الموازنة، الا أن مغالطاته واكاذيبه التي حملتها كلمته المسجلة وبثت أول أمس، لا تحتاج الى عناء زائد في تفنيدها ودحضها، وتكشف عن عمق الازمات التي تعصف به وبحكومته، لا سيما وان جيشه يعاني من الانهاك، فضلا عن النقص الحاد في الأسلحة والذخائر وخاصة القنابل بمختلف صنوفها، وعدم القدرة على مواصلة القتال على الجبهات المختلفة، وهذا ما أعلنه يوم الجمعة الماضي رئيس الأركان ايال زمير في جلسة الكابينت المصغر، وبالتالي قدرته على مواصلة الحرب لن تكون سهلة، بل صعبة ومعقدة. والمستقبل المنظور كفيل بالجواب.

 

اخر الأخبار