تاريخ النشر: 2026-11-04 | 14:24
تاريخ النشر: 2026-11-04 | 14:24
تشهد الولايات المتحدة الأمريكية منعطفاً تاريخياً استثنائياً مع انطلاق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حيث يتحول صندوق الاقتراع إلى ساحة مواجهة مباشرة حول كلفة الخيارات العسكرية للإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط. ولأول مرة منذ عقود، لم تعد السياسة الخارجية مجرد ملف ثانوي في حسابات الناخب الأمريكي، بل باتت المحرك الأساسي للاقتصاد اليومي والتحولات الهيكلية العميقة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، على وقع استمرار حرب الإبادة في قطاع غزة والشرق الأوسط، ودخول المواجهة المباشرة والحرب على إيران شهرها السابع.
لقد أثبتت التطورات الميدانية في الشرق الأوسط أن الاندفاع العسكري الأمريكي خلف كيان الإبادة أحدث ارتدادات عنيفة في الداخل الأمريكي. حيث أدت الحرب المستمرة على إيران والتوترات في الممرات المائية (إغلاق مضيق هرمز) إلى دفع أسعار النفط لتتجاوز عتبة الـ 100 دولار للبرميل، وارتفاع أسعار الوقود في أمريكا بشكل حاد. وتشير تقديرات مراكز الأبحاث السياسية في واشنطن إلى أن 81 بالمئة من الأمريكيين يرون أنّ الحرب على إيران رفعت تكاليف معيشتهم بشكل مباشر، في وقت باتت فيه 37 بالمئة من الأسر الأمريكية تعتمد على بطاقات الائتمان لتغطية نفقاتها الشهرية الأساسية. هذا التلازم جعل الناخب يربط بين الدعم العسكري المطلق للخارج والأزمة الاقتصادية في الداخل.
وتحولت الحرب في الشرق الأوسط إلى المحور الأبرز في التنافس الدعائي والسياسي بين الحزبين. فقد ركّز الحزب الديمقراطي في حملته على استغلال التراجع الحاد في شعبية الرئيس دونالد ترامب (التي هبطت إلى نحو 32 بالمئة-33 بالمئة بسبب إدارته لملف الحرب). وبث الديمقراطيون أكثر من 43 ألف إعلان انتخابي (بتكلفة ناهزت 42 مليون دولار) لربط الحرب على إيران بالغلاء والتضخم، والضغط عبر "قانون سلطات الحرب" لإنهاء العمليات العسكرية غير الحاصلة على تفويض رسمي من الكونغرس.
وفي المقابل، يواجه الحزب الجمهوري تحدي الحفاظ على أغلبيته الضيقة في الكونغرس. ورغم محاولة قادة حركة "ماغا" تحشيد القاعدة الانتخابية المخلصة عبر مؤتمرات استثنائية، فإن هناك تململاً داخلياً حيال كلفة الحرب والإنفاق الدفاعي الهائل. وتكشف استطلاعات الرأي "معهد إبسوس ورويترز" أن 25 بالمئة إلى 34 بالمئة فقط من الأمريكيين يرون أن الحرب مع إيران "تستحق العناء"، بينما تعارض الأغلبية الساحقة (أكثر من 54 بالمئة) استمرار هذا التورط.
وفي انتظار إغلاق مراكز الاقتراع وانتهاء الفرز وصدور النتائج، تقف المنطقة بأكملها على حافة الهاوية، حيث ترتبط الخطوات العسكرية القادمة بهوية الحزب الذي سيسيطر على الكونغرس. إذا ما استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، فإنهم سيفعّلون أدوات الرقابة والتحقيقات لعرقلة تمويل العمليات العسكرية الكبرى والحد من اندفاعة السلطة التنفيذية. قد يدفع هذا السيناريو نحو تبني الحلول الدبلوماسية والوساطات الإقليمية (المقترحات القطرية لاتفاق جزئي يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف الحصار عن الموانئ الإيرانية مقابل التزامات نووية).
أما في حال نجاح الجمهوريين في الإمساك بالمجالس التشريعية، فإن ذلك سيُفسر على أنه تفويض انتخابي متجدد ل "ترامب". وتشير التقارير الاستخباراتية والعسكرية إلى أنّ الإدارة الأمريكية، بالتنسيق مع كيان الإبادة، قد تعمد فور انتهاء الانتخابات إلى شن حملة ضربات جوية مكثفة وقصيرة تستهدف البنى التحتية الحيوية والمنشآت النووية الإيرانية لفرض الاستسلام أو التفاوض من موقع قوة.
لقد أسقطت أحداث عام 2026 التقييم التقليدي بأنّ المواطن الأمريكي لا يصوت بناءً على السياسة الخارجية. إنّ حرب الإبادة المستمرة والحرب المباشرة مع إيران أعادتا صياغة الأولويات، فتحولت أصوات الناخبين من مجرد اختيار حزبي دوري إلى "استفتاء شعبي" على حدود القوة الأمريكية، ومدى استعداد دافع الضرائب لتحمل الكلفة الاقتصادية والبشرية للحروب اللانهائية في الشرق الأوسط.