تاريخ النشر: 2026-10-25 | 13:21
تاريخ النشر: 2026-10-25 | 13:21
منذ عام 1993 وحتى عملية الخليل الأخيرة، هناك حقيقة مرة يجب أن نقولها بوضوح: كل رصاصة تُطلق في غير وقتها، وفي غير استراتيجيتها، تتحول من مقاومة إلى خدمة مجانية للاحتلال.
أخطاء حماس لم تبدأ اليوم، بل بدأت لحظة ولادة المشروع الوطني على الأرض.
*منذ أوسلو 1993*، لم تقدم حماس نفسها كمعارض وطني داخل البيت الفلسطيني، بل قدمت نفسها كبديل يريد هدم البيت كله. شنت حرباً إعلامية ودينية من المساجد والمنابر في غزة ضد منظمة التحرير، كفرت المشروع الوطني، وشوهت كل رمز وطني. وفي الوقت الذي كان فيه الشعب يحاول انتزاع اعتراف بدولة على حدود 67، كانت عملياتها التفجيرية داخل إسرائيل تُفصل على مقاس اليمين المتطرف، لتسقط حكومات السلام المزعوم وتأتي بنتنياهو والمتطرفين إلى الحكم. كانت النتيجة أننا خسرنا السياسة، وخسرنا المقاومة معاً.
وبعد قيام السلطة، أصبحت اللعبة مكشوفة. حماس تنفذ عملية في تل أبيب أو القدس، وإسرائيل ترد بقصف مقرات السلطة في رام الله وغزة، وتدمر المطار والمؤسسات، وتحاصر رواتب الموظفين وتسرق المقاصة. كنا نسأل: من المستهدف؟ حماس التي نفذت أم السلطة التي لا علاقة لها؟ لكن المستفيد كان واضحاً: الاحتلال يدمر المشروع الوطني، وحماس تكسب شعبية على أنقاضه.
وهنا يبدأ فصل التواطؤ الموضوعي.
كيف سمحت إسرائيل، التي ترصد النملة في غزة، لحماس بأن تبني مئات الأنفاق ومصانع صواريخ وتراكم 40 ألف مقاتل؟ كيف غضت الطرف عن انقلاب 2007 وتركت حماس تذبح أبناء فتح في الشوارع وتسيطر على القطاع؟ الجواب بسيط: لأن انقسامنا هو كنزها الاستراتيجي.
ومنذ 2007، المشهد لا يحتاج ذكاءً لتفهمه. إسرائيل تخنق الضفة: استيطان، حواجز، هدم، تهجير للمخيمات. وتخنق السلطة مالياً وإدارياً. وفي المقابل، تفتح المعابر لدخول الحقائب القطرية: 30 مليون دولار شهرياً نقداً لحماس في غزة بموافقة أمنية إسرائيلية كاملة عبر مطار بن غوريون! أموالنا كسلطة محتجزة، وأموال حماس مؤمنة. أليس هذا هو تعريف تضييق الخناق على الشعب بيدين: يد الاحتلال ويد الانقسام؟
واليوم، عملية الخليل مع كل احترامنا لدوافع الشباب الذين نفذوها دفاعاً عن كرامتهم، ماذا كانت نتيجتها العملية؟ حماس باركت من بعيد وهي في فنادق الخارج أو أنفاق غزة، والاحتلال استخدمهما كذريعة سوبر ستار: قرارات جديدة لتفكيك السلطة، سحب سلاح الأجهزة الأمنية الوطنية، تسريع الاستيطان، وتهديد باجتياح جديد للمخيمات.
إسرائيل لا تعتبر حماس عدواً وجودياً. عدوها الوجودي هو فكرة الدولة الفلسطينية، والعلم، والجواز، والعضوية في الأمم المتحدة. هذه الفكرة تمثلها منظمة التحرير، بكل فسادها وأخطائها. أما مشروع حماس الإسلامي الأممي، فهو مشروع لا يخيف تل أبيب، بل يخدمها، لأنه يحول قضيتنا من قضية وطنية تحررية إلى قضية جماعة دينية مسلحة يمكن تصنيفها إرهاباً وحصارها.
نحن لا نبرئ السلطة والمنظمة من الفساد وسوء الإدارة، لكن إسرائيل لم تغتل أبو عمار عام 2004 لأنه فاسد، ولم تجتح الضفة عام 2002 لأنه ناجح، بل لأنه كان يمثل الفكرة الوطنية.
الخلاصة المرة: إسرائيل وحماس، رغم كل العداء الظاهر، تلتقيان في هدف واحد: إنهاء المشروع الوطني. واحدة باسم الأمن اليهودي، والثانية باسم المشروع الإسلامي. والضحية هو الشعب الفلسطيني المحاصر بين احتلال يريد الأرض بلا شعب، وحركة تريد الشعب بلا وطن.
المقاومة حق، والبقاء على الأرض هو أرقى أشكال المقاومة اليوم، أما المقاومة التي بلا عقل استراتيجي وتقدم للاحتلال المبرر المجاني لذبحنا وتهجيرنا، فهي ليست مقاومة، بل تواطؤ.