تاريخ النشر: 2026-09-10 | 22:03
تاريخ النشر: 2026-09-10 | 22:03
في ضوء تهديد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشنّ حرب مفتوحة على الضفة الغربية، واستهداف كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية وأجهزتها والجهات المرتبطة بها، تعود ورقة سموتريتش المسمّاة بـ"خطّة الحسم" إلى الواجهة؛ لا بوصفها ورقة أيديولوجية قديمة فحسب، وإنّما باعتبارها المدخل الأمثل لفهم السياق الزمني الراهن وارتباطه بالمشروع الاستعماري التطهيري أساساً.
فليس جديداً القول: إنّ بنيامين نتنياهو، ما زال يحسن، كما في محطّات سابقة، توظيف التصعيد الأمني في معاركه السياسية والانتخابية، وإنّ الضفة واحدة من الساحات القابلة لمثل هذا التوظيف، إلّا أنّ الأمر هذه المرّة يتجاوز هذا العامل إلى عوامل أخرى أكثر كشفاً للحقائق، في مقدّمتها التبنّي الرسمي لنظرية الحسم من قبل هذه الحكومة منذ لحظة إنشائها الأولى، عدا عن نجاحها في جلب تشريعات "قانونية" من الكنيست الإسرائيلي مرّة ضد قيام دولة فلسطينية، وأخرى حول ضرورة عودة فرض السيادة والسيطرة والاستيطان في الضفة الغربية "يهودا والسامرة" بالمنطوق الديني المتطرّف.
ولكي تذهب المؤسّستان الأمنية والسياسية بهذا الاتجاه، كان لزاماً عليها استدعاء الخطر الأمني عبر القول إنّ هناك خشية من انفجار وشيك للضفة، في الوقت الذي ما فتئت فيه حكومة التطرّف، عبر ذراعها التنفيذي غير الرسمي "المستوطنين"، تعمل على إنتاج البيئة التي تجعل هذا الانفجار أكثر احتمالاً، وهي المفارقة التي يجب أن ننظر إليها بتمعّن يحيلنا بالضرورة للأهداف السياسية والأيديولوجية لفريق التطرّف ومحاولته الاستغلال الأجدى لمجريات الأحداث في كامل المنطقة، وانشغال العالم بسياسييه وإعلامه فيما يجري في الملفات المختلفة، طهران، لبنان، وغزة.
وهو ما يعني، أنّ السابع من أكتوبر لم يفتح باب الاستهداف في الضفة، فالمشروع أقدم من ذلك بكثير، وعلى الرغم من ذلك، يمكننا التأكيد بأنّه وفّر بيئة استراتيجية لتسريعه في ظل انشغال العالم بفعل الإبادة في غزة، واتّساع رقعة الإجراءات الأمنية الاستثنائية في غير مكان حول إسرائيل، مع التراجع الدولي الواضح للاهتمام بما يحدث يومياً على الأرض في قرى ومخيّمات ونجوع الضفة الفلسطينية.
غير أنّ أخطر ما في الأمر، لا يرتبط مباشرة بسياق الاعتداءات اليومية على الفلسطينيين، قدر ما يكمن في البيئة الثقافية والسياسية التي تجعل من الاعتداء فعلاً ممكناً ومقبولاً، فعندما يصبح محو فلسطين مادّة يمكن أن تُغنّى في استقبال رئيس حكومة، فالمشكلة لم تعد تخص مجموعة متطرّفة من المستوطنين على رأس تلّة هنا أو هناك، ولا مجرّد إطلاق يدهم للعمل إلى جانب الجيش بهدف دفع مشروع الحسم في الضفة خطوة للأمام من جهة، والانقضاض على القضية الفلسطينية في المشهد الأوسع من جهة أخرى.
ما يعني أنّنا أمام انتقال واضح للتطرّف من الهامش إلى المجال العام، ومن البؤرة الاستيطانية إلى اللغة السياسية ومن تطرّف جماعة إلى ثقافة تجد لنفسها حاضنة اجتماعية وسياسية، ليصبح السؤال: هل نحن أمام تجاوزات يرتكبها غلاة المستوطنين، أم أننا أمام بيئة سياسية أخذت تمنح هؤلاء الغلاة شرعية ودوراً ووظيفة؟
ولذلك، أعتقد أنّنا نخطئ حين نسأل: هل ستنفجر الضفة أم لا؟ لأنّ السؤال الأهم يرتبط بما يحدث فعلياً للضفة بينما نقع نحن في فخ التحذير الأمني بخصوص الانفجار؟ القضية إذن تتخطّى صيغ الأسئلة الجاهزة إلى المعطيات التي تفيد بأنّ التحوّل الأخطر يكمن في وظيفة العنف وأدواته وتداعياته على الجغرافيا، ويعكس ضرورة عدم الفصل التعسّفي بين عنف المستوطنين وسياسة الدولة، ويكشف عن تقاسم الأدوار بين الطرفين.
ذلك، على الرغم من قرار نتنياهو الأخير تفكيك عدد من البؤر الاستيطانية غير المرخّصة، تحت ضغط أميركي متزايد على خلفية عنف المستوطنين؛ وهو القرار الذي لا يغيّر من هذه القراءة شيئاً عندما ننتبه إلى أنّ الأمر لا يتعلّق بعدد البؤر التي يمكن إزالتها، وإنّما بما إذا كان القرار يمثّل تحوّلاً في المشروع نفسه، أم هو مجرّد محاولة لضبط أدواته ومظاهره الأكثر ضرراً بصورة إسرائيل ومكانتها السياسية، في سياق تشكيل درع حماية سياسية للمشروع بغية الحيلولة دون دفع كلفة سياسية لم تعد واشنطن مستعدّة لتجاهلها؛ والفارق بين الأمرين جوهري؛ لأنّ قرار إزالة بؤرة غير مرخّصة لا يعني بالضرورة التراجع عن سياسة الاستيطان، تماماً كما أنّ معاقبة مستوطن لا يعني تفكيك البيئة التي أنتجت عنفه وتحميه.
فإذا كان نتنياهو يقول إنّ الدولة الفلسطينية لن تقوم، وسموتريتش يريد محو تقسيمات أوسلو، وبن غفير يسلّح المتطرّفين، والمستوطنات والبؤر تتقدّم إلى عمق الجغرافيا الفلسطينية، والمؤسّسة التشريعية تمضي في تشريع ما يخالف القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بشأن الاستيطان، فعلينا الإقرار بأنّ مشروع الحسم الذي بدأ عملياً لم يعد يكتفي بمنع قيام الدولة الفلسطينية، وإنّما بصناعة جغرافيا تجعل قيامها مستحيلاً عملياً، حتى لو تغيّرت الحكومة الإسرائيلية الحالية في الانتخابات القادمة.
بهذا المعنى، يتحرّك مشروع الحسم في اتّجاه تحقيق أربعة أهداف أساسية ومترابطة، أوّلها تكريس السيطرة على الأرض، وثانيها فصل التجمّعات الفلسطينية عن بعضها، وثالثها عزل القدس الشرقية عن امتدادها الفلسطيني، وآخرها تحويل حل الدولتين من مشروع متعثّر سياسياً إلى مشروع يصعب تنفيذه جغرافياً.
في المقابل، صحيح أنّ التصريحات الأوروبية وصلت حد وصف ما يجري في الضفة بالإرهاب الذي يجب وقفه، وربّما دفعت إلى التحرّك البريطاني الملوّح بمنع التجارة مع المستوطنات، ولكنّها إجراءات قاصرة ومحدودة لم تستطع حتى اللحظة التأثير في مسار الحدث نفسه، وهو ما يطرح سؤال: متى تنتقل أوروبا من سياسة توصيف المخالفة إلى سياسة رفع كلفة تراكم المخالفات؟ فالفارق كبير بين القول إنّ الاستيطان غير قانوني، وبين اتّخاذ إجراءات تجعل الاستمرار فيه مكلّفاً سياسياً واقتصادياً وقانونياً.
غير أنّ الرهان الفلسطيني لا يجوز أن يبقى معلّقاً على انتظار أن تتحرّك واشنطن أو أوروبا في الوقت المناسب؛ لأنّ جوهر "خطّة الحسم" يقوم أصلاً على سباق مع الوقت، بغية فرض أكبر قدر ممكن من الوقائع قبل أن تتغيّر الظروف التي سمحت بفرضها؛ ولذلك فإنّ السؤال الفلسطيني المقابل يجب أن ينتقل من انتظار ما سيفعله الآخرون إلى سؤال ما نستطيع نحن أن نفعله؛ كيف نواجه هذه المعركة، فيما يخوض مشروع الحسم سباقه مع الوقت لفرض وقائع يصعب التراجع عنها؟ فالضفة اليوم، جغرافياً وديمغرافياً، ليست فقط تحت ضغط الاحتلال والاستيطان، وإنّما تحت سيف الوقت أيضاً.