تاريخ النشر: 2026-10-25 | 13:23
تاريخ النشر: 2026-10-25 | 13:23
هناك فارق كبير بين أن ينتمي الإنسان إلى وطن يشعر بوجوده، مهما اختلف مع سياساته أو انتقد أداء حكومته، وبين أن يعيش في وطنه مثقلاً بالخوف والفقد والانقسام، يبحث عن أبسط مقومات الحياة، فيما يُطلب منه باستمرار أن يصمد ويتحمّل ويقدّم المزيد من التضحيات.
حين ننظر إلى الشباب المصري، يمكن أن نفهم جانباً من شعورهم بالفخر الوطني. فمصر، بما تملكه من دولة ومؤسسات وجيش وتاريخ سياسي، وبما حققته من استعادة لأرضها بعد حروب وتضحيات، تمنح قطاعات من شبابها رواية وطنية يستندون إليها في التعبير عن انتمائهم. وقد يختلف المصريون أنفسهم حول سياسات حكوماتهم وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، لكن هذا الاختلاف لا يلغي وجود الدولة ولا يمحو الرموز الوطنية التي يتشاركونها.
إن الفخر هنا ليس بالضرورة موافقة على كل ما تفعله السلطة، بل قد يكون شعوراً بالانتماء إلى كيان سياسي وتاريخي له أرض وحدود ومؤسسات ورموز وطنية. فالشاب المصري يستطيع أن ينتقد حكومته، لكنه يظل قادراً على استحضار تاريخ بلاده وجيشها واستعادة سيناء والتضحيات التي ارتبطت بها، بوصفها عناصر من ذاكرته الوطنية.
ولا يعني ذلك أن حياة الشباب المصري خالية من الأزمات أو أن تجربتهم الوطنية مكتملة؛ فمصر تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية معروفة، لكن وجود هذه التحديات لا ينفي امتلاك الدولة مقومات الاستمرار، ولا يمنع المواطنين من الشعور بالفخر بتاريخها وهويتها.
أما في الحالة الفلسطينية، فإن المأساة لا تتعلق فقط بالاحتلال وفقدان الأرض، بل تتجاوزهما إلى أزمة العلاقة بين الإنسان والوطن، وبين التضحيات والنتائج، وبين الخطاب الوطني والواقع الذي يعيشه الناس.
الفلسطيني الذي فقد بيته، وشُرّد من مدينته، وخسر أقاربه وأصدقاءه، ويعيش تحت وطأة الحرب والنزوح وانعدام الأمان، لا يحتاج إلى من يذكّره بحجم تضحياته؛ فهو يعيش نتائجها كل يوم. كما أن الشاب الفلسطيني الذي حُرم من التعليم والعمل والاستقرار، ويجد مستقبله معلقاً بين الخيمة والانتظار، من حقه أن يسأل: إلى أين نمضي؟ وما الذي تحقق من كل هذه التضحيات؟ ومتى يصبح للوطن معنى ملموس في حياتنا اليومية؟
هذه الأسئلة ليست انتقاصاً من الصمود الفلسطيني، ولا إنكاراً لعدالة القضية الوطنية، بل هي جزء من المسؤولية تجاه المجتمع ومستقبله. فالقضية الفلسطينية لا تُختزل في القدرة على تحمّل الألم، كما أن الانتماء الوطني لا ينبغي أن يُقاس بمقدار ما يستطيع الإنسان التضحية به، وإنما بقدرته أيضاً على الحياة والمشاركة في بناء مجتمعه وصناعة مستقبله.
لقد أظهر الفلسطينيون، على امتداد تاريخهم، تمسكاً استثنائياً بأرضهم وهويتهم، لكن هذا التمسك يواجه اليوم اختباراً قاسياً، لا بسبب الاحتلال وحده، بل أيضاً بسبب الانقسام السياسي، وتعطّل المؤسسات الديمقراطية، وتراجع الثقة بالقيادات، وغياب أفق سياسي واضح يستطيع تحويل التضحيات إلى مشروع وطني قابل للحياة.
وهنا تبرز المفارقة: بينما يستطيع جزء من الشباب المصري استحضار الدولة بوصفها إطاراً للانتماء والفخر، يجد الشاب الفلسطيني نفسه أمام سؤال أكثر إلحاحاً: كيف أفتخر بوطن تتآكل مقومات الحياة فيه، وكيف أتمسك بمستقبل لا أستطيع أن أراه؟
إن المشكلة ليست في غياب الفخر الفلسطيني؛ فالفلسطينيون يمتلكون تاريخاً طويلاً من الصمود والتضامن والإبداع والتشبث بالهوية. المشكلة في أن هذا الرصيد المعنوي الهائل لم يتحول بالقدر الكافي إلى واقع سياسي ومؤسسي يمنح الإنسان الأمان والعدالة والأمل. فالفخر بالتاريخ لا يغني عن بناء الحاضر، والاعتزاز بالتضحيات لا يعفي القيادة من مسؤولية حماية الناس، والتمسك بالثوابت لا يتعارض مع مراجعة الوسائل والسياسات والنتائج.
ومن هنا، يصبح الحفاظ على حياة الإنسان وكرامته جزءاً أصيلاً من المشروع الوطني، وليس تنازلاً عنه.
إن القيادة المسؤولة لا تُقاس فقط بقدرتها على رفع سقف الخطاب أو إعلان التمسك بالمواقف، بل بقدرتها على حماية المجتمع، وتقليل الخسائر، وتوفير مقومات البقاء، وإدارة الصراع بما يحفظ حقوق الشعب ومستقبله. وحين تضيق الخيارات، تصبح مسؤولية البحث عن البدائل الممكنة أكثر إلحاحاً، لا أقل أهمية.
وليس المقصود أن يتخلى الفلسطيني عن حقه في أرضه أو أن يقبل بالظلم أو أن يساوم على حقوقه الوطنية، بل أن يدرك أن الدفاع عن الوطن يتطلب حماية الإنسان الذي يمنح هذا الوطن معناه. فالأرض بلا شعب يعيش عليها بأمان تتحول إلى جغرافيا مثقلة بالذكريات، والشعارات بلا مشروع سياسي تتحول إلى كلمات عاجزة عن تغيير الواقع.
كما أن المقارنة مع مصر لا ينبغي أن تتحول إلى جلد للذات الفلسطينية أو إلى إنكار لاختلاف الظروف التاريخية والسياسية بين البلدين. لكنها تتيح لنا طرح سؤال جوهري: لماذا تستطيع الدولة أن تمنح مواطنيها، رغم أزماتها، بعض عناصر الاستقرار والهوية الوطنية، بينما لا يزال الفلسطيني يكافح من أجل بناء إطار سياسي موحد قادر على تمثيله وحماية مصالحه؟
إن الإجابة تبدأ من الاعتراف بأن إنهاء الانقسام، واستعادة الشرعية الديمقراطية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية، وتطوير خطاب سياسي واقعي، وربط المقاومة السياسية والشعبية بأهداف قابلة للتحقق، كلها شروط ضرورية لاستعادة الثقة بين المواطن وقيادته. كما أن توفير التعليم والعمل والصحة والأمان ليس شأناً خدمياً منفصلاً عن القضية الوطنية، بل هو جزء من قدرتها على الاستمرار.
في النهاية، ليس مطلوباً من الفلسطيني أن يتوقف عن الفخر بشعبه وتاريخه وتضحياته، بل أن يستعيد حقه في الفخر بوطن قادر على احتضانه، وقيادة تستمع إلى أسئلته، ومؤسسات تحمي حقوقه، ومستقبل لا يكون فيه البقاء على قيد الحياة إنجازاً استثنائياً.
فالوطن الذي يستحق أن نفتخر به ليس فقط الوطن الذي نضحي من أجله، بل أيضاً الوطن الذي يجعل حياة أبنائه جديرة بأن تُعاش. وهذه هي المسافة التي ينبغي أن نعمل على ردمها بين عظمة التضحيات الفلسطينية وواقع الفلسطينيين اليوم.