“غاندي الصغير” يعود إلى.. داريا السورية

“غاندي الصغير” يعود إلى.. داريا السورية

تاريخ النشر: 2026-09-09 | 16:35

عبد الحسين شعبان
عبد الحسين شعبان

في بلدة داريا، التي لا تبعد عن دمشق سوى 22 كيلومتراً، والتي عُرفت لاحقًا بعاصمة الانتفاضة السلمية عام 2011، ثمة حكاية لا بدّ أن تُروى، كيف واجه شاب الرصاص بالورد وقابل القسوة بقناني المياه، واختار أن يقاوم العنف بالكلمة الطيبة. إنّها قصة الشاب غياث مطر، الذي أطلقت عليه الصحافة لقب "غاندي الصغير"، والذي صمّم على المقاومة المدنية اللّاعنفية. تبدأ الحكاية التي ستُصبح رمزًا لشهادة إنسانية حيّة مع حركة الانتفاضة السورية، حيث كان غيّاث من المبادرين الأوائل في تأسيس تنسيقية داريا والتصدّي للعنف باللّاعنف، وقد اعتُقل يوم 16 أيلول/سبتمبر 2011، لتُسلّم جثّته بعد أربعة أيام إلى ذويه وعليها آثار تعذيب واضحة، لتتحوّل جنازته ومجلس عزائه إلى حدث كبير ومثير تتناقله وسائل الإعلام العالمية، خصوصًا بحضور سوري لافت للانتباه، لم تشهد له البلدة مثيلًا من قبل، ومفاجأة حضور دبلوماسيين أجانب مجلس الفاتحة. لم تتوقّف مأساة عائلة “غاندي الصغير” عند هذا الحد بفقدان فلذّة كبد العائلة، فبعد فترة قصيرة اعتُقل شقيقه حازم (شباط/فبراير 2012)، كما اعتُقل شقيقه أنس للمرّة الثانية (آب/أغسطس 2013)، وتلقّت العائلة معلومات تُفيد بوفاة حازم في سجن صيدنايا (كانون الأول/ديسمبر 2017) من دون أن تتسلّم جثّته، كما ظلّ الشقيق الآخر أنس مجهول المصير، وبقيت العائلة تمنّي نفسها بأنه على قيد الحياة، ولكن لم يظهر له أي أثر حتى بعد الإطاحة بنظام بشّار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. ولعلّ الكثير من الحكايات استمرّت بعيدة عن دائرة الضوء طيلة العقد ونصف العقد المنصرم، إذْ لا يمكنك أن تتصوّر أن هذه البلدة الوديعة وحدها قدّمت نحو 3500 شهيدٍ على مذبح الحريّة، أسوة بعدد من المدن والبلدات السورية الأخرى. أستطيع القول إن رمزية غيّاث مطر وتشبّثه بالكفاح السلمي واللّاعنفي المدني لمواجهة آلة القمع تتجاوز بلدته، بل وبلده سوريا، لتنتقل إلى فضاء عربي كوني، فالبلدة التي عانت من الحصار والقصف والتجويع، وتعرّض الجزء الأكبر من أحيائها إلى الدمار (كما شاهدته)، ظلّت محاصرة لما يزيد عن 4 سنوات (آب/أغسطس 2016)، ثمّ أُجبر أهلها وأفراد المجموعات المنتفضة على مغادرتها، لتدخلها القوّات الحكومية وتعبث بما تبقّى منها. وإذا كانت حياة هذا الشاب الشجاع انتهت مثل الآلاف من أصدقائه وزملائه وأبناء بلدته إلى مقبرة جماعية بعد مجزرة ارتكبتها القوات الحكومية التي دكّت البلدة لأيام بالمدفعية والقنابل، ثم دخلتها فأبادت بضع مئات، لكنّ أهلها الذي عاد نحو نصفهم الآن إلى بلدتهم على الرغم من الخراب الذي طال قسمها الأكبر، مصمّمون على إعادة بنائها، كما حدّثني العديد من أبناء هذه البلدة المسالمة. ‏خلال وجودي في الشام، وبدعوة من مخرج فيلم “غاندي الصغير” الفنان سام قاضي، شاهدت في داريا وبحضور أم وأب الشهيد غياث مطر وجمهور غفير وأعداد من المثقفين السوريين وممثلين عن الوزارة الثقافة ووزارة الشؤون الاجتماعية، الفيلم في ساحة عامة وبالهواء الطلق، حيث انتصبت الشاشة في ملعب المدينة ذاتها التي خرج منها غيّاث حاملًا وردةً وقنينة ماء، وذلك بعد زيارتي مقبرة الشهداء التي ضمت المئات من الضحايا وأسمائهم المنقوشة على لوحات خاصة بجوار جامع أبو سليمان الداراني. في حوار دار بين مخرج الفيلم سام قاضي وبيني، عرفت أن الفيلم أُنتج في العام 2016، وهو من الأفلام الوثائقية الطويلة (90 دقيقة)، وترشّح إلى جائزة الأوسكار لأفضل فيلم باللغة الأجنبية في الدورة التسعين، أمّا عرْضهُ الآن فله أكثر من معنى ودلالة، خصوصًا في داريا، وحين عرف المخرج، الذي اعتبره مشروع صديق، أنني من دعاة التسامح واللّاعنف، وأعمل أستاذًا جامعيًا للدراسات العليا، وأدرّس مادة فلسفة اللّاعنف وحقوق الإنسان في جامعة ببيروت (أونور)، أصرّ على دعوتي واصطحابي لحضور العرض في داريا، وقد سألته عن رسالة الفيلم، التي قال عنها أنها تكمن في تأثّر الشباب السوري الواعي والمخلص بشخصيات عالمية تركت بصماتها على كفاحهم ونضالهم مثل غاندي ومارتن لوثر كينغ، وهم شباب بواسل آمنوا بمسيرة اللّاعنف، مشيرًا إلى أن كل مدينة وقرية سورية يوجد فيها شاب مثل غياث مطر “غاندي الصغير”. وقد أخبرته بأننا ندّرس في الجامعة مادة بعنوان شخصيّات لاعنفية، فإضافة إلى غاندي وكينغ نأتي على الروائي تولستوي وعبد الغفّار خان، وهذا الأخير من مجايلي غاندي في الهند وتعاون معه وأسس جيشًا لا عنفيًا قوامه 100 ألف جندي يواجهون العنف بالمقاومة اللّاعنفية، وكذلك نيلسون مانديلا الذي مكث 27 عامًا في السجن، لكنه خرج بحصيلة أساسية مفادها التسامح والمساواة بين البشر واحترام حقوق جميع المكوّنات. وهنا أوّد أن أشير إلى إحدى الشخصيات السورية اللّاعنفية “جودت سعيد“، الذي جاءنا في العام 2010 إلى الجامعة طالبًا، علمًا بأن له مؤلفات وكُتب ومقالات عديدة منذ ستينيات القرن الماضي، ولكننا في العام التالي اخترناه أستاذًا ليُلقي محاضرات على الطلبة، وقد نشرت بحثًا مطوّلًا عنه بعنوان “هو الذي أنفق عمره في اللّاعنف“، وضممته لاحقًا إلى كتابي “الزمن والنُخب: في أنطولوجيا الثقافة العربية” (مطبعة الآداب، عمان، 2023). إقرأ على موقع 180 قمح حلب ينتظر الحصاد على خطوط التماس: الأمن الغذائي على طاولة المفاوضات وفي حديث مع عائلة الشهيد “غاندي الصغير”، التي استضافتنا بعد عرض الفيلم، والده ووالدته وإخوته، أكّدوا أن غيّاث وأخوته ليسوا الوحيدين، وأن الثورة السورية أنجبت رموزًا مهمة، وهم يعتبرون جميع الشهداء أبناءهم، وهم يتطلّعون إلى مستقبل مشرق لسوريا، بحيث لا تكرّر مآسي الماضي. وإذا كان الفيلم وحواراته باللغة العربية، لكنه حاول مخاطبة العقل الغربي، ولذلك فإن ترجمته إلى الإنجليزية كانت عملًا إعلاميًا مؤثرًا وناجحًا، ولعلّ من أهم الاستنتاجات الخاصة أنه لا يتحدّث عن سوريا الماضي بقدر ما يظهر سوريا المستقبل، وهو ما حاولت كلمات المتحدثين قبل عرض الفيلم من التأكيد عليه، ولا سيّما كلمة رئيس منظمة رحمة العالمية شادي ظاظا، الذي خاطب أهالي داريا وعموم السوريين ودعاهم إلى التفكير بالمستقبل وليس بالماضي، وإلى التسامح والعمل لإعادة البناء والتنمية والسلام، وهو ما جاء في كلمة مخرج الفيلم سام قاضي الذي ربط الماضي بحاضر اليوم والمستقبل، والرمز المؤثر الذي استخدمه على نحو بارع، وأعني به الورد وقنينة الماء، وهما يبتدأ بهما الفيلم وينتهي كذلك، ولعمري تلك إشارة ذكية من المخرج فالماء رمز الحياة “وجعلنا من الماء كل شيء حي” (سورة الأنبياء، أية 30)، والورد رمز الجمال والمحبة، وتلك هي رسالة سوريا المستقبل. إن هدف الفيلم، حسب رأيي، هو عدم بقاء الأحداث المأساوية في دائرة النسيان، بل السعي لتكون في دائرة الضوء، لا بهدف الانتقام، بل لكي لا ننسى، ولأخذ الدروس والعبر ممّا حدث في إطار ما نطلق عليه “العدالة الانتقالية“، التي تعني المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وإبقاء الذاكرة حيّة والتعويض المادي والمعنوي وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية وأجهزة إنفاذ القانون وصولًا إلى المصالحة. وأختم بما قلته لمخرج الفيلم الفنّان المبدع والمتميّز سام قاضي، بعد اطّلاعي على معرض الصور الذي نظّمته البلدة وفاعلياتها الثقافية والإدارية، أنه ذكّرني بمجزرة حلبجة في كردستان العراق (1988)، التي راح ضحيّتها نحو 5 آلاف إنسان، وبعدها مجزرة ارتكبها النظام السابق في العراق (1991) إثر الانتفاضة التي اندلعت بعيد هزيمة القوات العراقية في مغامرة غزو الكويت (1990)، ولعلّ مجزرة داريا وجميع المجازر الوحشية تنطلق من الكراهية والحقد والتعصّب الذي ينتج التطرّف وهذا الأخير حين يتحوّل إلى سلوك يصبح عنفًا، والعنف حين يضرب عشوائيًا يصبح إرهابًا.

×
أخبار
آلية التفاف على العقوبات أتاحت استمرار تدفق سلع صينية إلى إيران استبعاد الفرنسيين من منحة أمريكية للمنظمات الأوروبية المؤيدة لتوجهات إدارة ترامب عبري: عاصفة تقرير "هآرتس" حول نتنياهو تؤكد الحاجة إلى لجنة تحقيق رسمية فيما حدث تحذير باكستاني لإيران لكبح الحوثيين بعد مهاجمة السعودية أولريش زيغموند.. بائع العطور الذي أعاد تسويق اليمين الألماني للناخبين الغاضبين الغزو التهويدي عبر التطبيع الإعلامي..! تقرير دولي يوثق 23 واقعة استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض في لبنان في ظل قيود جيش الاحتلال..الأمم المتحدة: مخزونات الإمدادات الأساسية في قطاع غزة غير كافية محدث- جيش الاحتلال يغتال عائلة في بيت لاهيا وإصابات بقصف جباليا شمال قطاع غزة بيانات شحن: 7 سفن أبحرت عبر مضيق هرمز الأربعاء سي.بي.إس: تعرض طائرات عسكرية أمريكية لأضرار جراء ضربات على قاعدة جوية بالأردن تطهير البنتاغون.. استقالات وإقالات تهدد جاهزية الجيش الأمريكي في ذروة حرب إيران سي إن إن: أمريكا تخطّط لـ"ضربات حاسمة" ضد نووي إيران.. و"جبل الفأس" في دائرة الاستهداف تركيا وإسرائيل على مسار تصادمي: سوريا وشرق المتوسط يبددان مناطق الفصل القديمة ترامب: الحرب مع إيران ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس تراجع حاد في المنح الأكاديمية الأوروبية لإسرائيل وسط مؤشرات المقاطعة الدولية نبيل فهمي: "نواجه مسؤولية تاريخية لاستعادة الفاعلية العربية وتصحيح مسار العمل المشترك" فيديو بعد تقديم القوائم وتقرير هآرتس..استطلاعات: تقارب بين الكتل الصهيونية "الجدار والاستيطان": دولة الاحتلال تدرس 13 مخططا استيطانيا بينها 3 للمصادقة الليكود يزج بدحلان في قضية "تحذير 7 أكتوبر": "تدخل أجنبي في الانتخابات" مصدر إماراتي: وصل تحذير فعلي لنتنياهو من أبو ظبي قبل 7 أكتوبر محدث..مجلس محافظي وكالة الطاقة النووية يحيل إيران لمجلس الأمن معركة إثبات ملكية أنقاض غزة.. حرب أخرى لحماية الأرض والحقوق بعد الدمار اليابان تتجه إلى الصناعات العسكرية الإسرائيلية وسط تغييرات متسارعة ترحيب عربي وإسلامي واسع بالقرار البريطاني حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية بيرنهام: عقوبات إسرائيل تُظهر دور بريطانيا القيادي عالمياً الصليب الأحمر يجري زيارة لسجون الاحتلال دون لقاء الأسرى نتنياهو من الأراضي السورية: "نحن قريبون جدًا" من حسم المواجهة مع إيران - فيديو ترامب يحيل اتفاقية التعاون النووي السلمي مع السعودية إلى الكونغرس الحرس الثوري يعلن شروط إيران لفتح مضيق هرمز

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط