تاريخ النشر: 2026-09-09 | 19:00
تاريخ النشر: 2026-09-09 | 19:00
غزة: تحولت قضية ملكية المنازل والأراضي في قطاع غزة إلى واحدة من أكثر التداعيات القانونية والاجتماعية تعقيداً للحرب، بعدما دُمّرت أحياء واسعة واختفت معها وثائق الملكية والعقود والسجلات الورقية، في وقت تتزايد فيه أهمية إثبات الحقوق العقارية مع طرح تصورات لإعادة الإعمار وإعادة تنظيم استخدام الأراضي.
وبحسب تقرير ميداني وتحليلي نشرته صحيفة Financial Times في 8 سبتمبر/أيلول 2026، للباحثتين ماليكا كنعانة تابّر وهبة صالح، فإن الفلسطينيين والمحامين والمؤسسات المحلية بدأوا سباقاً مع الزمن لإعادة بناء ملفات الملكية اعتماداً على كل ما بقي متاحاً من سجلات رقمية ووثائق بلدية وضرائب وفواتير خدمات وشهادات جيران، خشية أن يؤدي استمرار الحرب وتغير السيطرة على الأرض إلى ضياع حقوق يصعب استعادتها لاحقاً.
وتنبع خطورة القضية من حجم النزوح والدمار الذي أصاب القطاع. فقد نزح نحو 1.9 مليون شخص من أصل أكثر من مليوني نسمة، وغادر كثير منهم منازلهم تاركين خلفهم عقوداً وسندات وفواتير وتصاريح، فيما كانت أجزاء من الملكيات العقارية غير مسجلة رسمياً حتى قبل اندلاع الحرب.
ويشير التقرير إلى أن القوات الإسرائيلية تسيطر على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، بالتوازي مع نقاشات بشأن إنشاء مناطق سكنية جديدة وترتيبات أمنية وقواعد متعددة الجنسيات ومشروعات لإعادة التطوير. وفي ظل هذه التصورات، أصبحت مسألة تحديد المالك القانوني لكل قطعة أرض قضية تسبق عملياً أي مشروع واسع لإعادة البناء أو التخطيط.
وثيقة بديلة من تحت الركام
ويعرض التقرير حالة محمد الأغا في خان يونس، الذي دُمّر منزله وفقد معه وثيقة الملكية الأصلية، لكنه تمكن من الحصول من البلدية على وثيقة بديلة استندت إلى بيانات رقمية محفوظة من طلبات تخطيط سابقة، تضمنت رقم الأرشيف ورقم القطعة والتقسيم ومساحات الطوابق التي كانت قائمة قبل تدمير المنزل.
وتكشف هذه الحالة الدور المتزايد للرقمنة في حماية حقوق الملكية. فسلطة الأراضي في غزة تقول إنها كانت قد انتهت من مسح سجلات الملكية رقمياً قبل الحرب بنحو سبعة أشهر، وإن لديها نسخة إلكترونية كاملة من هذه السجلات. وقد أتاح ذلك، بعد عودة عدد محدود من الموظفين إلى العمل، إصدار نسخ جديدة لبعض سندات الملكية التي فقد أصحابها الوثائق الأصلية.
غير أن السجلات الرسمية لا تقدم حلاً شاملاً. فتقديرات أوردها التقرير تشير إلى أن ما يصل إلى ثلث الملكيات الخاصة في القطاع ربما لم يكن مسجلاً لدى سلطة الأراضي أو في سجل «الطابو»، وهو ما يجعل إثبات الملكية أكثر تعقيداً، خصوصاً بعد تدمير مكاتب محامين وأرشيفات مؤسساتية ووثائق خاصة لم تكن لها نسخ محفوظة لدى الجهات الحكومية.
من سند الملكية إلى «حزمة أدلة»
أمام فقدان الوثائق، يجري تطوير آليات إثبات أكثر مرونة تقوم على تجميع قرائن متعددة بدلاً من اشتراط وثيقة أصلية واحدة.
فإذا لم يتوفر سند الملكية، يمكن الاستناد إلى شهادة من ضريبة الأملاك، وفواتير الكهرباء والإنترنت، والصور ومقاطع الفيديو القديمة، وشهادات الجيران، وإفادات وجهاء الأحياء، والغرامات أو السجلات البلدية، بل وحتى أحكام قضائية سابقة.
وبذلك يتحول إثبات الملكية من إجراء إداري تقليدي إلى عملية تحقيق قانونية تتجمع فيها أجزاء مختلفة من الأدلة لتكوين ملف قادر على إثبات صلة الشخص بالعقار أو الأرض.
وتكتسب هذه الطريقة أهمية أكبر داخل مخيمات اللاجئين، حيث يجري بيع المساكن وشراؤها فعلياً، لكنها ليست مسجلة بالضرورة في سجلات الطابو. وفي هذه الحالات، يعتمد التحقق بدرجة أكبر على فواتير الخدمات وشهادات اللجان الشعبية والسكان المحليين.
إرث عقاري أقدم من الحرب
ولا تبدأ مشكلة الملكية في غزة مع الحرب الحالية. فنظام الأراضي في القطاع تشكل عبر طبقات قانونية وإدارية متعاقبة تعود إلى الحكم العثماني والانتداب البريطاني والإدارة المصرية، ما أدى إلى وجود سجلات وحقوق وملكيات بأشكال متعددة.
ولا تزال بعض الأراضي مسجلة بأسماء جهات أو مسؤولين إداريين سابقين، فيما توجد عقود تقسيط تاريخية لم تستكمل إجراءاتها، إضافة إلى ملكيات خاصة لم تدخل أصلاً في السجل العقاري الرسمي.
ولهذا فإن إعادة بناء سجل متكامل للملكية لن تكون مجرد عملية لاستعادة وثائق دمرتها الحرب، وإنما مهمة قانونية ضخمة تتطلب أيضاً معالجة تراكمات تاريخية سابقة.
إعادة الإعمار تفتح سؤال: لمن تعود الأرض؟
تكتسب القضية بعداً أكثر حساسية عندما ترتبط بخطط إعادة الإعمار. فالتقرير يربط بين ملكية الأراضي وبين النقاشات التي جرت بشأن الاستخدام المستقبلي لأجزاء من غزة.
ويشير إلى أن مخططين في مركز للتنسيق المدني–العسكري بقيادة أميركية ناقشوا في أواخر عام 2025 إنشاء مناطق جديدة، بينما لم تكن قضية الملكية حاضرة بالقدر الكافي في المراحل الأولى من بعض هذه التصورات.
كما يورد التقرير أن خريطة هندسية عسكرية أميركية شوهدت داخل مركز التنسيق تضمنت موقعاً مقترحاً لإسكان إماراتي مؤقت على أرض صُنفت بأنها عامة، إلى جانب منطقة أخرى مخطط لها أميركياً تشمل أراضي عامة وخاصة وأراضي غير مصنفة.
ولا يقدم التقرير هذه التصورات باعتبارها مشروعات نهائية، وإنما بوصفها مثالاً على المخاطر التي يمكن أن تنشأ إذا جرى التخطيط والبناء قبل التحقق بصورة دقيقة من الوضع القانوني للأرض وحقوق أصحابها.
خطر النزاعات بين السكان
ولا تقتصر آثار المشكلة على العلاقة بين الفلسطينيين والجهات التي ستدير عملية إعادة الإعمار. فالدمار الواسع أدى في مناطق عديدة إلى اختفاء الشوارع والجدران والمعالم التي كانت تحدد الفواصل بين البيوت وقطع الأراضي.
ومع عودة السكان مستقبلاً، قد تبرز خلافات بين الجيران أنفسهم بشأن حدود الأراضي والمباني، حتى في المناطق التي لا توجد فيها نزاعات سياسية أوسع على الملكية.
لذلك تنظر برامج المساعدة القانونية إلى إعادة توثيق الحدود والملكية باعتبارها أداة لحماية التماسك الاجتماعي أيضاً، وليس فقط وسيلة قانونية للحصول على تعويضات أو تصاريح إعادة البناء.
سباق مع الزمن
وتحذر الجهات القانونية المحلية من أن عامل الوقت قد يكون حاسماً. فكلما استمرت الحرب، زاد احتمال فقدان ما تبقى من سجلات ووثائق ومؤسسات وموظفين ومحامين قادرين على إعادة بناء تاريخ الملكية.
ولهذا تعمل شبكة من المحامين والمؤسسات المحلية والبرامج الجامعية على إنشاء ما يمكن وصفه بمنظومة إثبات موازية، تجمع السجلات الرقمية بالوثائق الضريبية والبلدية والقضائية والشهادات المحلية، بهدف منع تحول الدمار المادي إلى فقدان قانوني دائم للحقوق.
وتلخص هذه الأزمة مفارقة شديدة الدلالة: فكما احتفظ اللاجئون الفلسطينيون بعد عام 1948 بمفاتيح منازلهم رمزاً للملكية والعودة، يجمع كثير من سكان غزة اليوم صوراً وفواتير ووثائق وشهادات يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى دليل على علاقتهم بأرض أو منزل ربما لم يعد قائماً.
لكن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بوجود الوثيقة أو الدليل، وإنما بوجود منظومة قانونية وسياسية قادرة في النهاية على الاعتراف بهذا الدليل وإنفاذ الحق الذي يثبته؛ وهو ما يجعل معركة إثبات ملكية أنقاض غزة جزءاً أساسياً من معركة أوسع على مستقبل الأرض نفسها.