تاريخ النشر: 2026-10-09 | 16:36
تاريخ النشر: 2026-10-09 | 16:36
واشنطن: كشف تحقيق صحفي استقصائي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» للكاتبين ناتان أودنهايمر وآدم راسغون، عن خلل هيكلي حاد في القناة الدبلوماسية الرسمية بين إسرائيل والإدارة الأمريكية في واشنطن. وتفيد المعطيات الواردة في التحقيق بأن ديفيد ميلستين (36 عاماً)، كبير مستشاري السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي والقائم بأعمال «رئيس الديوان»، دأب منذ توليه منصبه في أبريل 2025 على حجب البرقيات الرسمية وتعديل التقارير الميدانية التي تعدها الكوادر المهنية في سفارة القدس، لمنع وصول أي انتقادات إسرائيلية أو تجاوزات بالضفة الغربية وغزة إلى وزارة الخارجية والبيت الأبيض.
واستند التحقيق إلى مقابلات مع 15 مسؤولاً أمريكياً و9 دبلوماسيين سابقين، إلى جانب مراجعة عشرات البرقيات والمذكرات الداخلية والرسائل السرية. وأجمع المسؤولون على أن تدخلات ميلستين تتجاوز الأعراف الدبلوماسية المتبعة، مما خلق "صورة منقوصة ومشوهة" للواقع لدى صناع القرار في واشنطن.
أبرز التحقيق ست حالات موثقة امتنع فيها ميلستين عن تمرير تقارير ميدانية حساسة أو قام بتبديل مضمونها جذرياً:
إغاثة غزة (صيف 2025): في أعقاب مقتل فلسطينيين قرب مراكز «مؤسسة غزة الإنسانية»، أعد موظفو السفارة برقية تحذر من أن آليات التوزيع «فوضوية ومميتة» وتنذر بإصابات جماعية. قام ميلستين بإعادة كتابة البرقية لتعبر عن «نجاح عمليات المؤسسة» مع حذف أي إشارة للضحايا.
شراء أراضي الضفة (فبراير 2026): عقب قرار إسرائيلي يسهل تملك الأراضي في الضفة الغربية، أعاد ميلستين تصنيف القرار على أنه «شأن داخلي» وأرسل تقريراً يدعي أن الإجراء يهدف لتلبية «احتياجات إنسانية» للمستوطنين.
مقتل مواطنين أمريكيين (مارس 2026): بعد مقتل 9 مواطنين أمريكيين في الضفة برصاص مستوطنين أو جنود ورسالة من 30 عضواً بالكونغرس تطالب بإجابات، حجب ميلستين تقريراً كشف أن التحقيقات الإسرائيلية مغلقة أو لم تحرز أي تقدم، واقترح بدلاً من ذلك رسالة تؤكد سلامة الإجراءات الإسرائيلية.
المصادقة الاستيطانية الكبرى (أواخر مارس 2026): بالتزامن مع المواجهات مع إيران، صادقت إسرائيل على أكبر دفعة استيطانية في تاريخها. أوقف ميلستين مذكرة عاجلة أعدتها السفارة تحذر من أن الخطوة تكسر الخط الأحمر للرئيس ترامب بشأن منع ضم الضفة، ولم تصل المذكرة إلى واشنطن مطلقاً.
تحذيرات القيادة العسكرية (أبريل 2026): أوقف ميلستين تقارير نقلت تحذيرات قادة في الجيش الإسرائيلي من أن عنف المستوطنين قد يشعل انتفاضة شاملة.
تصاعد عنف المستوطنين (ربيع 2026): ورداً على تقارير شجبت تقاعس الحكومة الإسرائيلية، استبدل ميلستين البرقيات بأخرى حملت عنوان «الحكومة تتصدى للعنف المتصاعد في الضفة»، ممتدحاً ما وصفه بـ «مبادرات نتنياهو غير المسبوقة».
تسببت ممارسات ميلستين في تقليص تدفق التقارير الصادرة عن القسم المختص بالشؤون الفلسطينية في السفارة من عدة برقيات أسبوعياً إلى بضع برقيات شهرياً. وأفاد موظفون بأنهم باتوا يفضلون الامتناع عن توثيق الانتهاكات بعدما أصبح ميلستين يمارس سلطة الفيتو المباشر أو يعيد صياغة المراسلات لتؤدي معاني معاكسة، فضلاً عن تعمده تأخير المسودات حتى تفقد قيمتها الزمنية.
كما نقل أربعة مسؤولين أن ميلستين استجوب عدداً من زملائه بالسؤال عما إذا كانوا «مؤيدين لإسرائيل» أم «مؤيدين لحماس»، مما بث حالة من الترهيب ومنع التعبير الحر داخل أروقة السفارة.
يمتلك ميلستين خلفية أيديولوجية يمينية وثيقة الصلة بدوائر القرار؛ إذ عمل مساعداً للسيناتور تيد كروز (2013-2018)، ثم درس في مدرسة دينية (يشيفا) بالقدس، قبل أن يلتحق بطاقم السفير السابق ديفيد فريدمان عام 2020، ويتولى بعدها إدارة ملف التواصل مع الناخبين المؤيدين لإسرائيل لصالح حاكم فلوريدا رون ديسانتيس. كما ينحدر ميلستين من عائلة لها نفوذ إعلامي يمين، فهو ابن زوجة المذيع المحافظ مارك ليفين المقرب من ترامب ونتنياهو.
أما بالنسبة للسفير مايك هاكابي، فتؤكد المصادر أنه يتشارك مع مستشاره الرؤية الأيديولوجية الداعمة لحركة الاستيطان، ويدافع عنه بقوة؛ حيث أعلن هاكابي «ثقته المطلقة» في ميلستين مجدداً، وهاجم تقرير الصحيفة واصفاً إياه بأنه «يفتقر للحقائق»، فيما رفض الطرفان إجراء مقابلات صحفية.
أثارت الفجوة بين التقارير الدبلوماسية الوردية والتغطيات الإعلامية والتحذيرات الاستخباراتية القادمة من الميدان قلقاً كبيراً في البيت الأبيض ووزارة الخارجية. وأكد أربعة مسؤولين أن العاصمة اضطرت في مرتين على الأقل إلى تجاوز القنوات المعتادة للتواصل المباشر مع الموظفين الميدانيين بعيداً عن ديوان السفير.
وعلّق دان كيرتزر، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، بالقول: «واجب السفارة إبلاغ واشنطن بالحقيقة كاملة؛ بحلوها ومرّها وبشاعتها. وحجب المعلومات يضر بعملية صنع القرار ويقوّض سياسات رئيس الدولة».
يُظهر التحقيق أن آليات صنع القرار في واشنطن تعرضت للتضليل الممنهج في لحظة فارقة تشهد انتقال إسرائيل من التوسع الاستيطاني التقليدي إلى «الضم الفعلي المتسارع»، حيث ارتفع عدد البؤر الاستيطانية بالضفة من 64 إلى 321 بؤرة.
ويرجح هذا التحليل أن الصمت النسبي للإدارة الأمريكية تجاه قضايا الضم وتصاعد عنف المستوطنين يعود - جزئياً - إلى حالة التعتيم والفلترة التي يمارسها ميلستين في القدس. ويتوقع أن تفاقم هذه الكشوفات الانقسام الداخلي بين التيارات المهنية في الخارجية والأجهزة الأمنية من جهة، والتعيينات السياسية ذات الميول الأيديولوجية من جهة أخرى، مما قد يدفع أعضاء في الكونغرس إلى فتح تحقيقات رسمية حول سلامة التقارير الدبلوماسية وملف حماية المواطنين الأمريكيين في الأراضي المحتلة.