تاريخ النشر: 2026-10-09 | 21:25
تاريخ النشر: 2026-10-09 | 21:25
أديس أبابا: سلط مقال تحليلي صادر عن مجلة «نيويوركر» (The New Yorker) للكاتب إيشان ثارور الضوء على التحول الهيكلي في طبيعة الصراعات بالقرن الأفريقي، مؤكداً أن عودة المواجهات المسلحة في إثيوبيا لم تعد مجرد أزمة أمنية أو أهلية داخلية، بل أضحت «عقدة مركزية» ضمن منظومة نزاعات وجيوسياسات إقليمية أوسع تتشابك فيها ملفات السودان، والتوتر الإثيوبي-الإريتري، وأزمة سد النهضة، والوصول إلى البحر الأحمر، ووضع صوماليلاند، وتنافس القوى الإقليمية والدولية.
وتنطلق الأطروحة المركزية للتحليل من أن عجز مؤسسات منع النزاعات التقليدية وتراجع الدور المحوري للولايات المتحدة أتاحا المجال لصعود نمط جديد من «دبلوماسية المعاملات» والحروب بالوكالة، ما يجعل انتقال التصعيد بين الساحات الجغرافية الممتدة من الشرق الأوسط والبحر الأحمر إلى عمق القرن الأفريقي مسألة في غاية السهولة والخطورة.
تطرق المقال إلى سيطرة القوات الحكومية الإثيوبية وحلفائها على مدينة ميكيلي، عاصمة اقليم تيغراي ومقر جبهة تحرير شعب تيغراي، عقب أسابيع من المواجهات التي امتدت من العاصمة أديس أبابا إلى الشمال والشرق، مخلفة عشرات الضحايا وتهديدات بأزمة إنسانية جديدة.
ويرى التحليل أن هذا الحسم العسكري لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة السياسية، بل يمثل انهياراً عملياً لاتفاق السلام المبرم عام 2022 والذي أنهى جولة قتال سابقة أسفرت عن زهاء 600 ألف قتيل. وأوضح المقال أن هذا الانتكاس الداخلي ارتبط فوراً بتبدلات في شبكة التحالفات العابرة للحدود:
الموقف الإريتري: تحولت أسمرا من حليف سابق للجيش الإثيوبي ضد تيغراي في حرب 2020 إلى داعم للمتمردين التيغراي، مما أدى لقطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق السفارات بين البلدين.
الربط مع الحرب السودانية: تتهم أديس أبابا بالانخراط في تقديم تدريب وقواعد لقوات الدعم السريع السودانية، في حين ظهرت عناصر من قوات تيغراي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية.
الاتهامات المتبادلة: اتهام رئيس أركان الجيش الإثيوبي لكل من مصر وإريتريا والجيش السوداني بتغذية التمرد الداخلي، وهي اتهامات نفاتها الدول الثلاث بوضوح.
تعتبر مسألة المنفذ البحري لإثيوبيا - الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993 - المحرك الرئيسي للتصعيد الإقليمي. وتسعى أديس أبابا لتأمين وصول دائم للبحر الأحمر من خلال اتفاقيات وتفاهمات استراتيجية مع إقليم صوماليلاند (أرض الصومال).
وأثار هذا التوجه ردود فعل متسلسلة في المنطقة:
قمة الثلاثية: عقد قادة مصر وإريتريا والصومال اجتماعاً رسمياً في القاهرة أكدوا فيه على رفض المساس بالسيادة الصومالية، ورفض الاعتراف بإقليم صوماليلاند، والتمسك بأمن البحر الأحمر وحقوق مياه النيل.
الاستقطاب الشاطئي: تحولت صوماليلاند إلى نقطة تقاطع بين المساعي البحرية الإثيوبية، والحضور العسكري التركي المتنامي في مقديشو، والتكهنات حول نفوذ إماراتي وإسرائيلي محتمل (مع الإشارة لنفي رئيس صوماليلاند وجود قوات إسرائيلية في الوقت الراهن).
يؤطر التحليل شبكة النفوذ والتنافس الإقليمية الممتدة من الخليج والشرق الأوسط نحو القرن الأفريقي عبر تقسيم تحليلي صاغه الدبلوماسي الأوروبي السابق أليكس روندوس، ينقسم إلى معسكرين غير رسميين:
معسكر الحفاظ على سيادة الدول: يركز على التمسك بالقانون الدولي والحدود القائمة للسيادة الوطنية؛ ويضم هذا الاتجاه كلاً من مصر، وإريتريا، والصومال، مع التقاطع مع مواقف السعودية وتركيا وقطر في عدة ملفات، ولا سيما دعم مؤسسة الجيش في السودان.
معسكر النفوذ والممرات والموارد: يركز على التحكم بالشواطئ والموانئ الاستراتيجية وسلاسل الإمداد والتعدين؛ وتتموقع ضمنه إثيوبيا، والإمارات العربية المتحدة (المتهمة أمريكياً بدعم قوات الدعم السريع رغم نفيه الرسمي)، وإسرائيل.
انتقد التحليل تراجع كفاءة آليات الوساطة الدولية المشتركة، مثل «الرباعية» (الولايات المتحدة، الإمارات، مصر، السعودية) و«الخماسية» التابعة للمؤسسات الدولية والاتحاد الأفريقي، والتي عجزت عن إيقاف الحرب السودانية الداخلة عامها الرابع، وسط مؤشرات على كارثة مجاعة وتوقف للموسم الزراعي.
وأرجع المقال هذا الإخفاق إلى تحول واشنطن من موقع «شرطي المرور الإقليمي» إلى حالة «الغياب العملياتي» وتفضيل الصفقات النفعية، ولا سيما عبر سياسات إدارة ترامب التي اعتمدت فرض عقوبات على قيادات تيغراي مقابل إبرام صفقات تجارية واقتصادية كبرى مع الحكومة الإثيوبية.
يؤكد هذا التقرير أن البيئة الأمنية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر دخلت مرحلة «اندماج الصراعات»، حيث لم يعد ممكناً معالجة الملفات كأزمات منفصلة. إن الترابط بين الأمن المائي (سد النهضة)، والأمن البحري (مضيق باب المندب وصوماليلاند)، والصراعات الداخلية (السودان وتيغراي) يشكل حلقة تفاعلية قد تؤدي إلى اشتعال إقليمي شامل في حال اندلاع أي مواجهة مباشرة بين الأطراف الرئيسية.
وتتجسد الخطورة الكبرى في أن ضغوط الموارد والسيطرة على سلاسل الإمداد أصبحت تحرك القرارات السياسية والعسكرية في المنطقة بعيداً عن القواعد المستقرة للقانون الدولي والسيادة، مما يضع أمن القارة الأفريقية والملاحة البحرية الدولية أمام رهانات معقدة وغير محسوبة.