تاريخ النشر: 2026-11-02 | 17:15
تاريخ النشر: 2026-11-02 | 17:15
ليست كل السير النضالية صفحاتٍ تُطوى برحيل أصحابها، ولا كل الحكايات تنتهي حين يغيب أبطالها عن مسرح الحياة؛ فثمة رجالٌ يتركون في ذاكرة الأوطان ما هو أبقى من العمر، ويكتبون بأخلاقهم ومواقفهم وعطائهم فصولاً لا تستطيع السنون محوها. ومن بين تلك القامات التي تستحق أن تستعيدها الذاكرة الوطنية، نستحضر سيرة الشهيد القائد أنور محمد عبد الرحمن المقوسي، المعروف بـ«أبو جعفر»، ذلك الرجل الذي جمع في شخصيته ملامح المناضل والمثقف والرياضي والإنسان، وظل وفياً لانتمائه حتى ارتقى شهيداً على درب فلسطين.
الجذور الأولى.. حكاية اقتلاعٍ لم يمحُ الهوية
وُلد الشهيد أنور المقوسي عام 1962م في مخيم الشابورة بمدينة رفح، لعائلة فلسطينية تعود جذورها إلى قرية دمرة، الواقعة شمال قطاع غزة، والتي اقتُلع أهلها من أرضهم عام النكبة 1948م تحت وطأة التهجير القسري، فلجأت الأسرة إلى قطاع غزة، واستقرت بدايةً في مخيم رفح، قبل أن تنتقل إلى مخيم جباليا شمال القطاع، وكان أنور آنذاك في الثامنة من عمره.
وهكذا حمل الطفل في ذاكرته المبكرة حكاية اللجوء، وكبر في أزقة المخيم وبين حكايات البيوت التي اقتُلعت من جذورها، لتظل فلسطين حاضرة في وجدانه، لا باعتبارها أرضاً بعيدة فحسب، بل باعتبارها هويةً وذاكرةً وانتماءً لا يقبل المساومة.
المدرسة.. موهبة مبكرة وعقلٌ يفيض بالإبداع
التحق أنور بمدارس وكالة الغوث، وأنهى مرحلتيه الأساسية والإعدادية، ثم واصل دراسته الثانوية في مدرسة الفالوجة، حيث بدأت ملامح شخصيته المتميزة تتبلور بصورة لافتة.
لم يكن طالباً عادياً؛ فقد عُرف بين مدرسيه وزملائه بحسن السلوك ودماثة الأخلاق والجدية في الدراسة، وتميز بجمال خطه، ودقة تنسيقه، وروعة رسوماته الفنية التي كانت تحمل في خطوطها وألوانها ملامح فلسطين وأوجاع شعبها وتطلعاته.
كان الرسم بالنسبة إليه أكثر من هواية، وكان الخط الجميل انعكاساً لذائقة فنية وروح تحب النظام والجمال. وقد بدت موهبته أكبر من سنوات عمره، وكأن أنامله الصغيرة كانت تختزن حكاية وطنٍ يبحث عن نافذة يطل منها على الحرية.
وفي مدرسته، لم يكن بعيداً عن المناسبات الوطنية والفعاليات الطلابية؛ فقد امتلك صوتاً جهورياً وحضوراً مؤثراً، وكان يشارك في إلقاء الكلمات والخطابات أمام حشود الطلبة، في مشهد يكشف مبكراً عن شخصية تمتلك القدرة على التأثير والتواصل والحضور بين الناس.
فتح.. انتماءٌ مبكر ومسيرةٌ من العطاء
لم يكن التحاق أنور المقوسي بحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» مجرد محطة عابرة في حياته، بل كان تعبيراً عن قناعة وطنية ترسخت في وجدانه منذ شبابه؛ إذ التحق بصفوف الحركة قبل أن يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، في مرحلة كانت فيها جذوة النضال الوطني تتقد، وكانت الأرض الفلسطينية تمور بإرهاصات الانتفاضة الأولى.
وبفضل أخلاقه الطيبة ورجاحة عقله وحضوره الاجتماعي، التف حوله عدد من أبناء المخيم، وشارك في البدايات الأولى لتأسيس لجنة الشبيبة الفتحاوية في مخيم جباليا، وأسهم في ترسيخ حضورها بين الطلبة والشباب، مؤمناً بأن بناء الإنسان والوعي الوطني لا يقلان أهمية عن أي ميدان آخر من ميادين العطاء.
وفي منزله بحارة الفاخورة غرب المخيم، كانت تُعقد اللقاءات والجلسات التنظيمية والثقافية، وتُناقش القضايا الوطنية والسياسية، في أجواء عكست اهتمامه بالتثقيف والحوار وتعزيز الروابط بين أبناء الحركة.
ولم يكن نشاطه محصوراً في الجانب التنظيمي؛ فقد عُرف بمشاركته في المناسبات الاجتماعية والوطنية، وحرصه على زيارة الجرحى ومواساة عائلات الشهداء، والوقوف إلى جانب أبناء المخيم في أفراحهم وأتراحهم. كما افتتح مطعماً ليؤمّن من خلاله لقمة العيش لأسرته وأطفاله، وظل المكان شاهداً على حضوره الاجتماعي وعلاقاته الواسعة بين أبناء منطقته.
الملاعب.. جناحٌ أيمن يركض في ذاكرة المخيم
ولأن الحديث عن أنور المقوسي لا يكتمل دون استحضار وجهه الرياضي، فإن للذاكرة معه حكاية أخرى، حكاية الملاعب الشعبية التي كانت تحتضن أحلام شباب جباليا، وتصنع بينهم صداقات لا تُنسى.
لقد كان لاعباً في نادي خدمات جباليا الرياضي، كما لعب لفريق الطليعة للساحات الشعبية في جباليا، وارتدى قميص فريق الفاخورة الرياضي، الذي كان يشارك في مباريات الساحات الشعبية في جباليا والشمال وغزة.
كان أنور جناحاً أيمن سريعاً ومهارياً، يمتلك خفة الحركة والقدرة على المراوغة، ويعرف كيف يصنع لنفسه مساحة بين المدافعين، ويمنح فريقه حضوراً مميزاً فوق المستطيل الترابي الذي كان يمثل آنذاك متنفساً لأبناء المخيم.
وأنا، بحكم المعايشة والذاكرة، أستحضر تلك السنوات الجميلة، وتحديداً أعوام 1983 و1984 و1985، حين كنا نلتقي في مباريات كرة القدم بمخيم جباليا، ولا سيما في ملعب مدرسة الفالوجة. كان أبو جعفر يلعب لصالح فريق الفاخورة، وكان يتولى تدريبه في تلك المرحلة، فكان حاضراً في المشهد الرياضي لاعباً ومدرباً، وصاحب روح رياضية وعلاقات طيبة مع رفاقه.
لم تكن الملاعب بالنسبة إليه مجرد منافسة على هدف أو انتصار، بل كانت مساحة تجمع أبناء المخيم، وتوثق أواصر المحبة والأخوة بينهم.
وهكذا ظل أبو جعفر حاضراً في أكثر من ميدان؛ في المدرسة بقلمه وريشته، وفي الملعب بمهارته وسرعته، وفي المجتمع بأخلاقه ومواقفه، وفي العمل الوطني بانتمائه وعطائه.
الاعتقال.. محطات من الصبر والثبات
لم تكن مسيرته خالية من الملاحقة والاعتقال؛ فقد تعرض أنور المقوسي للاعتقال خلال حملات قوات الاحتلال الإسرائيلي التي استهدفت أبناء مخيم جباليا، وخضع للاعتقال الإداري مدة ستة أشهر، ونُقل إلى معتقل أنصار، بما في ذلك أقسام الاعتقال المعروفة باسم أنصار «3» وكيلي شيفع، وفق ما تذكره الروايات الواردة عن تجربته الاعتقالية.
وفي نهاية أيار عام 1989م، أعادت قوات الاحتلال اعتقاله إدارياً لمدة خمسة أشهر، قبل الإفراج عنه في الخامس من كانون الثاني عام 1990م.
وكانت تجربته داخل المعتقل امتداداً لاهتمامه بالشباب والتثقيف والتنظيم؛ إذ تشير الروايات إلى أنه حرص على تنظيم الجلسات الثقافية والسياسية، والاهتمام بالأشبال والشباب، وتشجيعهم على القراءة والوعي، بما يعكس جانباً آخر من شخصيته التي لم تكن ترى في المعرفة ترفاً، بل ضرورة لصناعة جيل واعٍ بقضيته وهويته.
وبعد الإفراج عنه، عاد إلى مخيمه، واستأنف نشاطه الاجتماعي والوطني، وظل على صلة وثيقة بأبناء حركته ورفاق دربه.
ثم تعرض للاعتقال مجدداً عام 1992م، بعد مداهمة منزله ومحاصرته، وحُكم عليه بالسجن الفعلي مدة سنة وأربعة عشر يوماً في سجن أنصار «2»، قبل أن يعود إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي، حاملاً معه ذاكرة أخرى من التجربة والمعاناة.
البيت والأسرة.. وجه الأب الحنون
ورغم انشغاله بالعمل الوطني والاجتماعي والرياضي، لم تغب الأسرة عن قلب أنور المقوسي؛ فقد تزوج من ابنة عمه، ورُزق بابنه الأول نور، الذي عُرف لاحقاً باسم جعفر، ومن هنا ارتبطت كنيته الشهيرة «أبو جعفر» باسمه، ثم رُزق بستة أبناء آخرين.
كان أباً حنوناً وعطوفاً، يحمل لأطفاله محبة كبيرة، ويحرص على أن يكون لهم سنداً وملاذاً آمناً. وفي هذا الجانب الإنساني تتجلى عظمة الشخصية الحقيقية؛ فالمناضل الذي يحمل هموم وطنه لا يفقد إحساسه بمسؤولياته تجاه بيته وأسرته، بل يظل الأب والزوج والإنسان، مهما ازدحمت دروب الحياة بالتحديات.
كلماته قبل الرحيل.. قلمٌ سبق صاحبه إلى الخلود
ومن أعمق الشواهد على شخصية الشهيد أنور المقوسي، ما تركه من كلمات كتبها لتُقرأ في حفل تأبين الشهيد سامي الغول، الذي ارتقى عام 1993م.
كانت تلك الكلمات انعكاساً لفكره ومشاعره ورؤيته لمعنى التضحية والوفاء، وقد تحدث فيها عن مسيرة الدماء والشهداء، وعن صمود الشعب الفلسطيني، وعن الأمل الذي لا تنطفئ أنواره مهما اشتد الليل.
ومما جاء في كلماته:
«إخوتي أبناء الغلابة، فتح مسيرة الدماء والشهداء لم ولن تنتهي بعد، فما زالت الدماء الطاهرة تسيل من خاصرة هذا الشعب، تقطر قطرات الشهادة لتروي زهرة الحنون في سفح الجبل، وتدفق الدماء لتتشح أشجار الزيتون، لتبقى ملامح الصمود ثابتة مثبتة بفعل الدماء والشهداء».
ثم مضى في مخاطبة أبناء شعبه قائلاً:
«إخوتي، فلتسل دماؤنا جميعاً ولنضحِّ بأرواحنا قرباناً للوطن، فإن أقرب الطرق لاجتثاث الاحتلال هي الشهادة والدماء، فاصبروا يا شعبي نحو المجد دون تردد، لنصنع الفجر بأيدينا، ولنقتلع شوك الاحتلال من أرضنا، ولنزرع الأرض جنة تطوف في فضائها أرواح الشهداء».
وفي رثائه للشهيد سامي الغول، كتب كلمات تختزن حزناً ووفاءً واعتزازاً، واستحضر صورة رفيقه الذي مضى شهيداً، مختتماً نداءه بعبارة «سامي وداعاً».
إنها كلمات تكشف عن شاعرية صاحبها، وعن موهبة القلم التي عرفها مدرسوه وزملاؤه منذ طفولته؛ فقد ظل أنور يرسم بالريشة حيناً، ويخط بالقلم حيناً آخر، حتى أصبحت كلماته نفسها وثيقة من وثائق الذاكرة الوطنية.
الثامن والعشرون من آذار.. يوم غابت الأجساد وبقيت الحكاية
وفي يوم الاثنين الموافق 28 آذار عام 1994م، كان مخيم جباليا على موعد مع واحدة من محطاته الدامية، حين تعرضت مجموعة من المناضلين لكمين نصبته قوة من الوحدات الخاصة الإسرائيلية في منطقة القطاطوة، أثناء توجههم إلى المخيم.
ووفقاً للروايات الواردة عن الحادثة، اندلع اشتباك مسلح أعقبه استشهاد ستة من أبناء المخيم، كان من بينهم الشهيد أنور محمد عبد الرحمن المقوسي «أبو جعفر».
وفي ذلك اليوم، فقد مخيم جباليا ستة من أبنائه، ورحل أنور عن أسرته وأطفاله ورفاقه، وغابت قامته عن الأزقة والملاعب واللقاءات التي اعتاد أن يكون جزءاً منها، لكن الغياب لم يستطع أن ينتزع صورته من ذاكرة الذين عرفوه وعاشروه.
لقد رحل الجسد، وبقيت الحكاية؛ حكاية الطفل الذي أحب الرسم والخط، والشاب الذي صدح صوته في ساحات المدرسة، والرياضي الذي ركض جناحاً أيمن في ملاعب المخيم، والرجل الذي جمع حوله الأصدقاء، والأب الذي أحب أبناءه، والمناضل الذي ظل يحمل هموم وطنه حتى آخر أيامه.
الخاتمة.. رجالٌ لا تنتهي سيرتهم عند حدود الغياب
إن استحضار سيرة الشهيد القائد أنور المقوسي «أبو جعفر» ليس مجرد استعادة لاسم من أسماء الشهداء، بل هو وفاء لذاكرة رجل تعددت مواهبه وتنوعت ميادين عطائه، فكان ابن المخيم البار، والرياضي الموهوب، وصاحب الريشة والخط الجميل، والإنسان الذي عرفه الناس بأخلاقه وطيب معشره، والمناضل الذي ظل اسمه حاضراً في ذاكرة رفاقه وأبناء شعبه.
وما بين حارة الفاخورة، ومدرسة الفالوجة، وملاعب جباليا، ولا سيما ملعب المنتزه المقابل لمدرسة الإعدادية «أ»، والذي أُقيم عليه سوق المخيم لاحقاً، وبين محطات الاعتقال وذكريات الرفاق، تتشكل سيرة رجل لم يكن عابراً في حياة من عرفوه، بل ترك أثراً يشهد له ويستحق أن يُروى للأجيال.
سلامٌ على روحك يا أبا جعفر، يوم وُلدت في مخيم الشابورة، ويوم حملت أحلامك في أزقة جباليا، ويوم تركت في قلوب محبيك حكاية لا يطويها الزمن.
رحم الله الشهيد القائد أنور محمد عبد الرحمن المقوسي «أبا جعفر»، ورحم الله رفاقه الشهداء، وأسكنهم فسيح جناته، وجعل ذكراهم الطيبة باقية في وجدان فلسطين.